تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
وقوله تعالى :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً . . .
« 1 » إلخ ، قال القشيري : كما جعلها قرارا لأشباحهم ، جعل الأشباح قرارا لأرواحهم ؛ فهي سكّان النّفوس ، كما أن الخلق سكّان الأرض ، فإذا انتهت مدة كون النّفوس ، حكم اللّه بخرابها . . كذلك إذا فارقت الأرواح الأشباح بالكليّة ، قضى اللّه بخرابها . ثم قال في قوله :
فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً
: وكما يحيى الأرض بالمطر يحيى القلوب بحسن النّظر . والذي خلق من الأزواج أصناف الخلق ، كذلك حبس عليكم الأحوال كلها ، فمن رغبة في الخيرات ، وخوف يحملكم على ترك الزلات ، ورجاء يبعثكم على فعل الطاعات ، طمعا في المثوبات ، وغير ذلك من فنون الصفات ، وكما سخّر الأنعام ، وأعظم المنّة بذلك ، سخّر للمؤمنين مركب التوفيق ، يحملهم عليه إلى بساط الطاعة ، وسهّل للمريدين مركب الإرادة ، وحملهم عليه إلى عرصات الجود ، وفضاء الشهود ، وسهّل للعارفين مركب الهمّة ، فأناخوا بالحضرة القدسية ، وعند ذلك محط الكافة ؛ ثم لا تخرق سرادقات العزة همّة مخلوق ، سواء كان ملكا مقرّبا ، أو نبيّا مرسلا ، أو وليّا مكرّما . فعند سطوات العزّ يتلاشى كلّ مخلوق ، ويقف وراءها كلّ محدث مسبوق . ه . ببعض المعنى . وسرادقات العز : حجاب الكبرياء ، فلا تحصل الإحاطة بكنه الرّبوبية لأحد من الخلق . ولهذا يبقى الترقي أبدا للعارفين ، في هذه الدار ، وفي تلك الدار ، ولا يحصل على غاية أسرار الرّبوبية أحد ، ولو بقي يترقى أبدا سرمدا . واللّه تعالى أعلم . ثم أبطل مذهب أهل الشرك ، فقال :

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 15 إلى 19 ]

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ ( 15 ) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 ) أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ( 19 ) يقول الحق جل جلاله :
وَجَعَلُوا
أي : المشركين
لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
حيث قالوا : الملائكة بنات اللّه ، فجعلوهم جزءا له ، وبعضا منه ، كما يكون الولد لوالده جزءا . وهذا متصل بقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ . . .
إلخ ، أي :
هامش
( 1 ) راجع التعليق على هذه القراءة في موضعها أثناء التفسير .