تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
بعصيانه ، ولم يدخل خلل في عرفانه ، فإنه لا يمنع عنه رؤية لطائف غفرانه . ه . يعنى : أن الحق جل جلاله لم يقطع كلامه عمن تمادى في ضلاله ، فكيف يقطع إحسانه عمن تمسك بإيمانه ، ولو أكثر من عصيانه . وكذلك أهل النّسبة التصوفية ، إذا اعوجّ أخوهم ، لا يقطعون عنه كلامهم وإحسانهم ، بل يلاطفونه ، حتى يرجع ، وهذا مذهب الجمهور . ثم سلّى نبيه بمن قبله ، فقال :

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 6 إلى 8 ]

وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ ( 6 ) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 7 ) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ( 8 ) يقول الحق جل جلاله :
وَكَمْ أَرْسَلْنا
أي : كثيرا أرسلنا قبلك
مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ
؛ في الأمم الماضية ؛ فكذّبوهم واستهزءوا بهم .
وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
، فاصبر كما صبروا . ويحتمل أن يكون تقريرا لما قبله ؛ لبيان أن إسراف الأمم السابقة لم يمنعه تعالى من إرسال الرّسل إليهم ، وكونها تسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلم أظهر .
فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً
أي : فأهلكنا من الأمم السالفة من كان أكثر منهم طغيانا وإسرافا ،
وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ
أي : سلف في القرآن غير مرة ذكر قصة الأولين ، وهي عدة له صلّى اللّه عليه وسلم ، ووعيد لقومه ، بطريق الأولوية . فمثل ما جرى على الأولين يجرى على هؤلاء ؛ لاشتراكهم في الوصف . وظاهر الآية : أن النبي والرّسول واحد ، والمشهور : أن النّبى أعم ، ف كل رسول نبي ، ولا عكس ، فالنبي مقصور في الحكم على نفسه ، والرّسول نبىّ مكلف بالتبليغ . الإشارة : ما سليت به الأنبياء والرّسل يسلّى به الأولياء ؛ لأنهم خلفاؤهم ، ف كل من أوذى واستهزئ به يتذكر ما جرى على من كان أفضل منه من الأنبياء وأكابر الأولياء ، فيخف عليه الأذى . وباللّه التوفيق . ثم ذكر إقرارهم بوجود الصانع ، فقال :

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 9 إلى 14 ]

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ( 9 ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 10 ) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ ( 12 ) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ( 13 ) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ ( 14 )