تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
عن الحوض « 1 » . وفيه إشعار باقتضاء الحكمة توجيه الذكر إليهم ، وملازمته لهم ، كأنه يتهافت عليهم ثم يضربه عنهم . والفاء : للعطف على محذوف ، أي : أنهملكم فنضرب عنكم الذكر
صَفْحاً
أي : إعراضا ، مصدر ، من : صفح عنه : إذا أعرض ، منصوب على أنه مفعول له ، على معنى : أفنعزل عنكم إنزال القرآن ، وإلزام الحجة به إعراضا عنكم . ويجوز أن يكون مصدرا مؤكدا لما دلّ عليه « نضرب » ؛ لأنه في معنى الصفح ، كأنه قيل : أفنفصح صفحا
أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ
، أي : لأن كنتم منهمكين في الإسراف ، مصرّين عليه ؛ لأن حالكم اقتضى تخيلتكم وشأنكم ، حتى تموتوا على الكفر والضلالة ، فتبقوا في العذاب الخالد ، لكن بسعة رحمتنا لا نفعل ذلك ، بل نهديكم إلى الحق ، بإرسال الرّسول الأمين ، وإنزال الكتاب المبين . ومن قرأ بالكسر « 2 » فشرط حذف جوابه ؛ لدلالة ما قبله عليه ، وهو من الشرط الذي يصدر عن الجازم بصحة الأمر ، كما يقول الأجير : إن كنت عملت لك فوفّنى حقي ، وهو عالم بذلك . وعبّر ب « أن » ؛ إخراجا للمحقق مخرج المشكوك ؛ لاستهجالهم « 3 » ، كأن الإسراف من حقه ألا يقع . الإشارة : ( حم ) أي : حببناك ، ومجدناك ، وملكناك ، وحق الكتاب المبين . ثم استأنف فقال : ( إنا جعلناه ) أي : ما شرفناك به أنت وقومك ( قرآنا عربيا ) يفهمه من يسمعه ( لعلكم تعقلون ) عن اللّه ، فتشكروا نعمه . ( وإنه في أمّ الكتاب ) أي : وإن الذي شرفناكم به في أمّ الكتاب . قال الورتجبي : أي : إنه صفتي ، كان في ذاته « 4 » منزها عن النقائص والافتراق - أي : منزها عن الحروف والأصوات ، التي من شأنها التغير ، وعن التقديم والتأخير ، وهو افتراق كلماته . إذ هما من صفات الحدث . وأم الكتاب عبارة عن [ ذاته القديم ، لأنها ] « 5 » أصل جميع الصفات ، ( لدينا ) معناه : ما ذكرنا أنه في أمّ الكتاب عندنا ( لعلىّ ) علا عن أن يدركه أحد بالحقيقة ، ممتنع من انتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، ( حكيم ) محكم مبين . وقال جعفر : علىّ عن درك العباد وتوهمهم ، حكيم فيما دبّر وأنشأ وقدّر . ه . فانظره ، فإنّ هذه من صفات الحق ، والكلام في أوصاف القرآن . وقوله تعالى :
أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً . . .
الآية ، قال القشيري : وفي هذه إشارة لطيفة ، وهو : ألا يقطع الكلام عمّن تمادى في عصيانه ، وأسرف في أكثر شأنه ، [ فأحرى ] « 6 » أن من لم يقصّر في إيمانه ، أو تلطّخ
هامش
( 1 ) الغرائب : جمع غريبة ، وهي الإبل الغريبة عن إبل صاحب الحوض . ( 2 ) قرأ نافع ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو جعفر « إن كنتم » بكسر الهمزة ، على أنها شرطية . وقرأ الباقون بالفتح على العلة . انظر الإتحاف ( 2 / 453 ) . ( 3 ) في الأصول ( لاستهجانهم ) والمثبت من تفسير أبى السعود . ( 4 ) في الورتجبي [ ذاتي ] . ( 5 ) في الورتجبي : [ ذات القدم لأنه ] . ( 6 ) في الأصول [ أرجو ] .