تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
هو الإسلام وسائر الشرائع والأحكام ،
صِراطِ اللَّهِ
؛ بدل من الأول ، وإضافته إلى الاسم الجليل ، ثم وصفه بقوله تعالى :
الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
لتفخيم شأنه ، وتقرير استقامته ، وتأكيد وجوب سلوكه ؛ فإن كون جميع ما فيهما من الموجودات له تعالى ، خلقا ، وملكا ، وتصرفا ، مما يوجب ذلك أتم الإيجاب .
أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
أي : الأمور قاطبة راجعة إليه ، لا إلى غيره ، فيتصرف فيها على وفق حكمته ومشيئته . الإشارة : قد تحصل للأولياء المكالمة مع الحق تعالى بواسطة تجلياته ، فيسمعون خطابه تعالى من البشر والحجر ، أو بلا واسطة ، بحيث يسمعون الكلام من الفضاء ، وإليه أشار الشيخ أبو الحسن رضي اللّه عنه بقوله : « وهب لنا مشاهدة تصحبها مكالمة » ، ولا تكون هذه الحالة إلا للأكابر من أهل الفناء والبقاء . وأما مكالمة الحق من النّور الأقدس ، بلا واسطة ، فهو خاص نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء . قال شيخ شيوخنا ، سيدي عبد الرّحمن الفاسي رضي اللّه عنه : والذي عندي أن التكلم على المكافحة والمشافهة إنما يكون بالانخلاع عن البشرية ، ومحوها ، والبقاء بصفات الربوبية ، وذلك إشارة إلى أنه - عليه السّلام - إنما شوفه وكلّم بعد العروج عن أرض الطبيعة إلى سماء الحقيقة ، وكان بالأرض يكلم بالواسطة ، وموسى كلّم بغير واسطة ، ولكن بغير مشافهة ، ولذلك كان كلامه بالأرض ، ولم يعط الرؤية ؛ لأنها لا تكون في الأرض ، أي : في أرض البشرية ؛ بل لا بد من الغيبة عنها . وذهب الورتجبي إلى أن الحصر فيما ذكر في الآية إنما هو لمن كان في حجاب البشرية ، فأما من خرج عنها إلى الغيب ، وألبس نور القرب وكحّل عينه بنوره تعالى ، ومدّ سمعه بقوة الرّبوبية ، فإنه يخاطب كفاحا وعيانا . ونقل مثل ذلك عن الواسطي ، فراجع بسطه فيه . والفرق بينه وبين ما ذكرنا : أن خطاب المكافحة عنده خارجة من الثلاثة المذكورة في الآية ، وعندنا داخلة في قوله :
إِلَّا وَحْياً
؛ لأنه أعم من المشافهة ، واللّه أعلم . وقوله تعالى :
وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي : طريق الوصول والترقي أبدا ، فيؤخذ منه : أن وساطته صلّى اللّه عليه وسلم لا تنقطع عن المريد أبدا ؛ لأن الترقي يكون باستعمال أدب العبودية ، وهي مأخوذه عنه صلّى اللّه عليه وسلم ، وكما أن الترقي لا ينقطع ؛ فالأدب - الذي هو سلوك طريقته صلّى اللّه عليه وسلم لا ينقطع . واللّه تعالى أعلم ، وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم . * * *