تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
وأقيمت بعده ، ويهب لمن يشاء الذكور ؛ من ورّث علم الأذواق والوجدان ، وعمّر رجالا ، أو يزوجهم ؛ من ورثهما ، ويجعل من يشاء عقيما لم يترك وارثا ، لا من الظاهر ، ولا من الباطن ، وقد يكون كاملا وهو عقيم ، وقد يكون غير كامل وله أولاد كثيرة ، لكن الغالب على من له أولاد أن يتسع بهم ، بخلاف العقيم . واللّه تعالى أعلم . ثم قرر عظمة ملكه ، فقال :

[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 51 إلى 53 ]

وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 ) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ( 53 ) يقول الحق جل جلاله :
وَما كانَ لِبَشَرٍ
أي : ما صحّ لأحد من البشر
أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ
بوجه من الوجوه
إِلَّا وَحْياً
؛ إلهاما ، كقوله عليه الصلاة والسّلام : « ألقى في روعى » « 1 » أو : رؤيا في المنام لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « رؤيا الأنبياء وحي » « 2 » كأمر إبراهيم عليه السّلام بذبح الولد ، وكما أوحى إلى أم موسى ، روى عن مجاهد : « أوحى اللّه الزبور إلى داود عليه السّلام - في صدره » .
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
بأن يسمع كلاما من اللّه ، من غير رؤية السامع من يكلّمه ، كما سمع موسى عليه السّلام من الشجرة ، ومن الفضاء في جبل الطور ، وليس المراد به حجاب اللّه تعالى على عبده حسا ؛ إذ لا حجاب بينه وبين خلقه حسا ، وإنما المراد : المنع من رؤية الذات بلا واسطة .
أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا
أو : بأن يرسل ملكا
فَيُوحِيَ
الملك
بِإِذْنِهِ
؛ بإذن اللّه تعالى وتيسيره
ما يَشاءُ
من الوحي . وهذا هو الذي يجرى بينه تعالى وبين أنبيائه في عامة الأوقات . روى : أن اليهود قالت للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : ألا تلكم اللّه ، وتنظر إليه إن كنت نبيا ، كما كلمه موسى ، ونظر إليه ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « لم ينظر موسى إلى اللّه تعالى » فنزلت « 3 » .
هامش
( 1 ) ورد : « إن روح القدس نفث في روعى أنّ نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ، وتستوعب رزقها . . . » الحديث . أخرجه أبو نعيم في الحلية ( 10 / 27 ) من حديث أبي أمامة رضي اللّه عنه . وجاءت كلمة « ألقى في روعى » بنصها عن أبي سعيد الخدري في حديث الرّقية بالفاتحة ، ذلك عندما قال الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم : « وما يدريك أنها رقية » ؟ فقال أبو سعيد : ألقى في روعى » . الحديث أخرجه أحمد ( 3 / 50 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( الوضوء ، باب التخفيف في الوضوء ، 138 ) عن عبيد بن عمير ( تابعي ) موقوفا ، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( 1 / 289 ) : « رواه مسلم مرفوعا » . ( 3 ) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ( ص 146 ) : « لم أجده » .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 230 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان