من سبقت لهم العناية ، من أهل الجد والتشمير ، ويقولون : هؤلاء الذين خسروا أنفسهم ، حيث لم يتعبوها في مرضاة اللّه ، وأهليهم ، حيث لم يذكّروهم اللّه .
قال القشيري : قوله تعالى :
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ
بالوفاء بعهده ، والقيام بحقّه ، والرّجوع من مخالفته إلى موافقته ، والاستسلام في كلّ وقت لحكمه والطريق اليوم إلى الاستجابة مفتوح ، وعن قريب سيغلق الباب على القلب بغتة ، ويؤخذ فلتة . ه . ويقال لكلّ واعظ وداع :
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً . . .
الآية .
ثم بيّن وجه ما تقدم ، من أن الأمور كلها بيده ، هداية وإضلالا ، وإنعاما وابتلاء ، فقال :
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 49 إلى 50 ]
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ( 49 ) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 50 )
يقول الحق جل جلاله :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : يملك التصرف فيهما ، وفي كلّ ما فيهما ، كيف يشاء ، ومن جملته : أن يقسم النّعمة والبلية ، حسبما يريده .
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
مما يعلمه الخلق ومما لا يعلمونه ،
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً
من الأولاد
وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
منهم ، من غير أن يكون لأحد في ذلك مدخل ،
أَوْ يُزَوِّجُهُمْ
أي : يقرن بين الصنفين ، ويهبهما جميعا
ذُكْراناً وَإِناثاً
، بأن تلد غلاما ثم جارية ، أو تلدهما معا .
وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً
لا نسل له . والعقيم : الذي لا يولد له ، رجل أو امرأة .
وقدّم الإناث أولا على الذكور ؛ لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء ، لا ما يشاؤه الإنسان ، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهمّ ، أو : لأن الكلام في البلاء ، والعرب تعدهن عظيم البلايا ، أو : تطييب قلوب آبائهم ، ولمّا أخّر الذكور - وهم أحقاء بالتقديم - تدارك ذلك بتعريفهم ؛ لأن التعريف تنويه وتشريف ، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين ما يستحقه من التقديم والتأخير ، فقال :
ذُكْراناً وَإِناثاً
. وقيل المراد : أحوال الأنبياء - عليهم السّلام - حيث وهب لشعيب ولوط إناثا ، ولإبراهيم ذكورا ، وللنبي صلّى اللّه عليه وسلم ذكورا وإناثا ، وجعل يحيى وعيسى عقيمين .
إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ
مبالغ في العلم والقدرة ، فيفعل ما فيه حكمة ومصلحة .
الإشارة : يهب لمن يشاء إناثا ، علوما وحسنات ، ويهب لمن يشاء الذكور ، أذواقا وواردات ، ويجعل من يشاء عقيما ، لا علم ولا ذوق ، وانظر لطائف المنن « 1 » . أو تقول : يهب لمن يشاء إناثا ؛ من ورّث علم الرّسوم الظاهر ،
هامش
( 1 ) للشيخ أحمد بن عطاء السكندرى . باب تبيان معنى آيات كتاب اللّه تعالى ص 166 .