تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها
؛ على النّار ، يدلّ عليها ذكر العذاب . والخطاب لكلّ من يتأتى منه الرّؤية
خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ
؛ متذللين متضائلين مما دهاهم ، فالخشوع : خفض البصر وإظهار الذل ،
يَنْظُرُونَ
إلى النار
مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ
ضعيف بمسارقة ، كما ترى المصبور ينظر إلى السيف عند إرادة قتله .
وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ
بالتعرض للعذاب الخالد
يَوْمَ الْقِيامَةِ
، و « يوم » : متعلق بخسروا . وقول المؤمنين واقع في الدنيا . ويقال ، أي : يقولونه يوم القيامة ، إذا رأوهم على تلك الصفة :
أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ
؛ دائم ،
وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ
برفع العذاب عنهم
مِنْ دُونِ اللَّهِ
حسبما كانوا يرجون ذلك في الدنيا ،
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ
إلى النّجاة .
اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ
إلى ما دعاكم إليه على لسان نبيه ،
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ
أي : يوم القيامة
لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ
أي : لا يرده اللّه بعد ما حكم بمجيئه ، ف « من » متعلق ب « لا مرد » ، أو : ب « يأتي » أي : من قبل أن يأتي من اللّه يوم لا يقدر أحد على رده ،
ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ
أي : مفر تلتجئون إليه ،
وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ
أي : وليس لكم إنكار لما اقترفتموه ؛ لأنه مدون في صحائف أعمالكم ، وتشهد عليكم جوارحكم .
فَإِنْ أَعْرَضُوا
عن الإيمان
فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
؛ رقيبا ، تحفظ أعمالهم ، وتحاسبهم ،
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
؛ ما عليك إلا تبليغ الرّسالة ، وقد بلغت ، وليس المانع لهم من الإيمان عدم التبليغ ، وإنما المانع : الطغيان وبطر النّعمة ، كما قال تعالى :
وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً
أي : نعمة من الصحة ، والغنى ، والأمن ،
فَرِحَ بِها
وقابلها بالبطر ، وتوصل بها إلى المخالفة والعصيان . وأريد بالإنسان الجنس ، لقوله تعالى :
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
، بلاء ، من مرض ، وفقر ، وخوف ،
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ
؛ بليغ الكفر ، ينسى النّعمة رأسا ، ويذكر البلية ، ويستعظمها ، بل يزعم أنها أصابته من غير استحقاق . وأفرد الضمير في ( فرح ) مراعاة للفظ ، وجمعه في « تصبهم » مراعاة للمعنى . وإسناد هذه الخصلة إلى الجنس مع كونها من خواص الجنس ، لغلبتها فيهم . وتصدير الشرطية الأولى بإذا ، مع إسناد الإذاقة إلى نون العظمة ؛ للتنبيه على أن إيصال الرّحمة محقق الوجود ، كثير الوقوع ، وأنه مراد بالذات ، كما أن تصدير الثانية بأن ، وإسناد الإصابة إلى السيئة ، وتعليلها بأعمالهم ؛ للإيذان بندرة وقوعها ، وأنها غير مرادة بالذات ، « إن رحمتي سبقت غضبى » . ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النّعم . قاله أبو السعود . الإشارة : من تنكبته العناية السابقة ، وأدركته الغواية اللاحقة ، لم ينفع فيه وعظ ولا تذكير ، وليس له من عذاب اللّه ولىّ ولا نصير ، فإذا تحققت الحقائق ، وطلب الرّجوع ، لم يجد له سبيلا ، وبقي في الهوان خاشعا ذليلا ، فيعيرهم