تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
الإشارة : خلق الحق - تعالى - أرض النفوس محلا للعبودية ، وأرساها بجبال العقل ، لئلا تميل إلى بحر الهوى ، وبارك فيها ، بأن جعل فيها صالحين وأبرارا ، وعبادا وزهادا ، وعلماء أتقياء ، وقدر لها أقواتها الحسية والمعنوية ، فجعل الحسية سواء للسائلين ، أي : مستوية لا يزيد بالطلب ولا بالتعب ، ولا ينقص ، ففيه تأديب لمن لم يرض بقسمته ، والأرزاق المعنوية : أرزاق القلوب من اليقين والمعرفة ، يزيد بالطلب والتعب ، وينقص بنقصانه ، حكمة من الحكيم العليم ، ثم استوى إلى سماء الأرواح ، أي : قصدها بالدعاء إليه ، وهي لطائف ، فقال لها ولأرض النفوس : ائتيا إلى حضرتي ، طوعا أو كرها ، قالتا : أتينا طائعين ، فقضاهن سبع طبقات ، وهي دوائر الأولياء ، دائرة الغوث ، ثم دائرة الأقطاب ، ثم الأوتاد ، ثم النّقباء ، ثم النجباء ، ثم الأبرار ، ثم الصالحين . وأوحى في كلّ سماء ، أي : في كلّ دائرة ما يليق بها من العبادة ، فمنهم من عبادته الشهود والعيان ، ومنهم من عبادته الفكرة ، ومنهم الركوع والسجود ، ومنهم التلاوة والذكر . . . إلى غير ذلك من أنواع الأعمال . قال القشيري : وجعل نفوس العابدين ، أرضا لطاعته وعبادته ، وجعل قلوبهم فلكا لنجوم علمه ، وشموس معرفته ، فأوتاد النفوس الخوف والرجاء ، والرغبة والرهبة ، وفي قلوب ضياء العرفان ، وشموس التوحيد ، ونجوم العلوم والعقول ، والنفوس والقلوب ، بيده يصرّفها على ما أراد من أحكامه . وقال في قوله :
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها
: الجبال أوتاد الأرض ، في الصورة ، والأولياء رواسي الأرض في الحقيقة ، بهم تنزل البركة والأمطار ، وبهم يدفع البلاء . ثم قال : قوله تعالى :
وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ
وزيّن وجه الأرض بمصابيح ، وهي قلوب الأحباب ، فأهل السماء إذا نظروا إلى قلوب أولياء اللّه بالليل ، فذلك متنزههم ، كما أن أهل الأرض إذا نظروا إلى السماء تأنسوا برؤية الكواكب . ه . ثم هدد أهل الكفر ، فقال :

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 13 إلى 18 ]

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 14 ) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 15 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 ) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 ) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 18 )