تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
وقوله :
سَواءٌ
راجع للأربعة ، أي : في أربعة أيام مستويات تامات ، أو : استوت سواء
لِلسَّائِلِينَ
أي : قدّر فيها الأقوات للطالبين لها والمحتاجين إليها ، لأن كلا يطلب القوت ويسأله ، أو هذا الحصر في هذه الأيام لأجل من سأل : في كم خلقت الأرض وما فيها ؟
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
، الاستواء مجاز عن إيجاد اللّه تعالى السماء على ما أراد ، تقول العرب : فعل فلان كذا ثم استوى إلى عمل كذا ، يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني ، أو قصد وانتهى . فالاستواء إذا عدى ب « إلى » فهو بمعنى الانتهاء إليه بالذات أو بالتدبير ، وإذا عدّى ب « على » فبمعنى الاستعلاء ، ويفهم منه أن خلق السماء بعد الأرض ، وهو كذلك ، وأما دحو الأرض وتقدير أقواتها فمؤخر عن السماء ، كما صرح في قوله :
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها
« 1 » ، والترتيب في الخارج : أنه خلق الأرض ، ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض في يومين . ف « ثم » للتفاوت بين الخلقين لا للترتيب ، أو : للتفاوت في المرتبة ، ترقيا من الأدنى إلى الأعلى ، كقول القائل :
إنّ من ساد ثم ساد أبوه * ثم ساد بعد ذلك جدّه
وفي بعض الأحاديث : « إن اللّه خلق الأرض يوم الأحد والاثنين ، وخلق الجبال يوم الثلاثاء ، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والعمران والخراب ، فتلك أربعة أيام ، وخلق يوم الخميس السماء ، وخلق يوم الجمعة النّجوم والشمس والقمر والملائكة ، وخلق آدم عليه السّلام في آخر ساعة من يوم الجمعة » « 2 » وهي الساعة التي تقوم فيها الساعة . قاله النّسفى ، وفي حديث مسلم ما يخالفه « 3 » . قال ابن عباس رضي اللّه عنه : أول ما خلق اللّه - أي : بعد العرش - جوهرة طولها وعرضها ألف سنة ، فنظر إليها بالهيبة ، فذابت وصارت ماء ، فكان العرش على الماء ، فاضطرب الماء ، فثار منه دخان ، فارتفع إلى الجو ، واجتمع زيد ، فقام فوق الماء ، فجعل الزبد أرضا ، ثم فتقها سبعا ، والدخان سماء ، فسواهن سبع سماوات « 4 » . ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان طوعا أو كرها وامتثالهما ؛ أنه أراد أن يكوّنهما ، فلم يمتنعا عليه ، ووجدتا كما أراد ، وكانتا في ذلك كالمأمور والمطيع ، وإنما ذكر الأرض مع السماء في الأمر بالإتيان ، مع أن الأرض
هامش
( 1 ) الآية 30 من سورة النازعات . ( 2 ) أخرجه مطولا والطبري ( 24 / 94 ) والحاكم وصحّحه وتعقبه الذهبي ( 2 / 543 ) من حديث ابن عباس رضي اللّه عنه . ( 3 ) أخرج مسلم في صحيحه ( كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ، باب ابتداء الخلق ، 3 / 2149 ، ح 2789 ) عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بيدي ، فقال : « خلق اللّه عز وجل التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم عليه السّلام بعد العصر من يوم الجمعة ، في آخر الخلق ، في آخر ساعة من ساعات الجمعة ، فيما بين العصر إلى الليل » . ( 4 ) ذكره النسفي في تفسيره ( 3 / 228 ) .