تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
قلت : ( وتجعلون ) : عطف على ( تكفرون ) . و ( جعل ) : عطف على ( خلق ) داخل في حيز الصلة ، و ( سواء ) : من نصبه فمصدر ، أي : استوت سواء . ومن جرّه فصفة لأيام ، ومن رفعه فخبر هي سواء . و ( للسائلين ) : متعلق بقدّر ، أو : بمحذوف ، أي : هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض . يقول الحق جل جلاله :
قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
وهما الأحد والاثنين ، تعليما للتأنى ، ولو أراد أن يخلقها في لحظة لفعل .
وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً
؛ شركاء وأشباها . والحال أنه لا يمكن أن يكون له ند واحد ، فضلا عن التعدد ، وكيف يكون الحادث المعدوم ندا للقديم ؟ !
ذلِكَ
الذي خلق ما سبق . وما في الإشارة من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه لبعد منزلته في العظمة ، أي : ذلك العظيم الشأن هو
رَبُّ الْعالَمِينَ
أي : خالق جمع الموجودات ومربّيها ، فكيف يتصور أن يكون أخس الخلق ندا له ؟ !
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ
؛ جبالا ثوابت كائنة
مِنْ فَوْقِها
، وإنما اختار إرساءها من فوق الأرض لتكون منافع الجبال معرضة لأهلها ، ويظهر للناظرين ما فيها من مراصد الاعتبار ، ومطارح الأفكار ، فإن الأرض والجبال أثقال على أثقال ، كلها ممسكة بقدرة اللّه عز وجل .
وَبارَكَ فِيها
أي : قدّر بأن يكثر خيرها بما يخلق فيها من منافع ، ويجعل فيها من المصالح ، وما ينبت فيها من الطيبات والأطعمة وأصناف النّعم .
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
أي : حكم أن يوجد فيها لأهلها ما يحتاجون إليه من الأقوات المختلفة المناسبة لهم على مقدار معين ، تقتضيه الحكمة والمشيئة ، وما يصلح بمعايشهم من الثمار والأنهار والأشجار ، وجعل الأقوات مختلفة في الطعم والصورة والمقدار ، وقيل : خصابها التي قسمها في البلاد . جعل ذلك
فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ
أي : تتمة أربعة أيام ، يومين للخلق ، ويومين لتقدير الأقوات ، كما تقول : سرت إلى البصرة في عشرة ، وإلى الكوفة في خمسة عشر ، أي : في تتمة خمسة عشر ، ولو أجرى الكلام على ظاهرة لكانت ثمانية أيام ؛ يومين للخلق ، وأربعة للتقدير ، ويومين لخلق السماء ، وهو مناقض لقوله :
فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ *
« 1 » .
هامش
( 1 ) كما جاء في آيات ، منها : الآية 54 من سورة الأعراف .