تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
روى أن أبا جهل قال في ملإ من قريش : قد التبس علينا أمر محمد ، فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة ، فكلّمه ، ثم أتانا بالبيان من أمره ، فقال عتبة بن ربيعة : واللّه لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر ، وعلمت من ذلك علما ما يخفى علىّ ، فأتاه ، فقال : أنت يا محمد خير أم هاشم ؟ أنت يا محمد خير أم عبد المطلب ؟ أنت خير أم عبد اللّه ؟ ، فبم تشتم آلهتنا وتضللنا ؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء ، فكنت رئيسنا ما بقيت ، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة من أىّ بنات قريش شئت ، وإن كان بك المال ، جمعنا لك ما تستغنى به أنت وعقبك . والنّبى صلّى اللّه عليه وسلّم ساكت ، فلما فرغ عتبة ، قال صلّى اللّه عليه وسلم :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . .
إلى قوله تعالى :
مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
، فأمسك عتبة على فيه النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم وناشده بالرحم ، فرجع عتبة إلى أهله ، ولم يخرج إلى قريش ، فلما احتبس عنهم ، قالوا : ما نرى عتبة إلا صبأ ، فانطلقوا ، وقالوا : يا عتبة ؛ ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد ، أم أنك أعجبك طعامه ؟ فغضب ، ثم قال لهم : لقد كلمته فأجابني بشئ ، واللّه ما هو شعر ، ولا كهانة ، ولا سحر ، ثم تلى عليهم ما سمع منه إلى قوله :
مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
فأمسكت بفيه ، وناشدته بالرحم أن يكف ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فخفت أن ينزل بكم العذاب . ه « 1 » . ثم بيّن ما ذكره من صاعقة عاد وثمود ، فقال :
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
أي : تعاظموا فيها على أهلها بما لا يستحقون به التعظيم ، وهو القوة ، وعظم الأجرام ، واستولوا على الأرض بغير استحقاق للولاية ،
وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
، كانوا ذوى أجسام طوال ، وخلق عظيم ، بلغ من قوتهم أن الرجل كان يقلع الصخرة من الجبل بيده ، ويلوى الحديد بيده ،
أَ وَلَمْ يَرَوْا
أي : أو لم يعلموا علم عيان
أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً
؟ أوسع منهم قدرة ؛ لأنه قادر على كلّ شئ ، وهم قادرون على بعض الأشياء بإقداره ،
وَكانُوا بِآياتِنا
المنزلة على رسلهم
يَجْحَدُونَ
أي : ينكرونها وهم يعرفون حقيتها ، كما يجحد المودع الوديعة . و ( هم ) : عطف على ( فاستكبروا ) ، وما بينها اعتراض ، للرد على كلمتهم الشنعاء .
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً
أي : باردا تهلك وتحرق ؛ لشدة بردها ، من : الصر ، وهو البرد ، الذي يجمع ويقبض ، أو : عاصفة تصوّت في هبوبها ، من الصرير ، فضوعف ، كما يقال : نهنهت وكفكفت .
فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ
؛ مشؤومات عليهم ، من : نحس نحسا ، نقيض : سعد سعدا ، وكانت من الأربعاء آخر شوال إلى الأربعاء ،
هامش
( 1 ) أخرجه البغوي في تفسيره ( 7 / 167 ) وعزاه السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 673 - 674 ) للبيهقي في الدلائل وابن عساكر . عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنه .