تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
وعبّر في الآية عن النار ؛ جملة ، بجهنم ؛ إذ هي أشهر منازلها وأولها ، وهو موضع العصاة الذين لا يخلدون ، ولهذا روى أن جهنم تخرب وتبلى ، يعنى : حين يخرج العصاة منها . وقيل : أبواب الطبقات السبع كلها من جهنم ، ثم ينزل من كل باب إلى طبقته التي تفضى إليه . قاله ابن عطية . قال البيضاوي : ولعل تخصيص العدد بالسبعة ، لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات ، ومتابعة القوة الشهوية والغضبية . ه . فالقوة الشهوية محلها ست وهي : السمع والبصر والشم واللسان والبطن والفرج . والقوة الغضبية في البطش باليد والرجل ، فالمعاصى المهلكات جلها من هذه السبع ، وملكها القلب ، إذا صلح صلحت ، وإذا فسد فسدت . كما في الحديث . ثم قال البيضاوي : أو لأن أهلها فرق سبع . ه . يعنى : الفرق التي تقدمت للطبقات ، قال تعالى :
لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ
أي : من الأتباع
جُزْءٌ مَقْسُومٌ
أفرد له ، لا يدخل إلا منه ، ولا يسكن إلا في طبقته . وقد تقدم أهل كل طبقة ، من عصاة الموحدين إلى المنافقين . ثم شفع بضدهم ، على عادته سبحانه وتعالى في كتابه ، فقال :
إِنَّ الْمُتَّقِينَ
للكفر والفواحش ، أو لمتابعة إبليس ،
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
، لكل واحد جنة وعين ، أو لكل واحد جنات وعيون ، يقال لهم عند دخولهم :
ادْخُلُوها
، وقرأ رويس عن يعقوب : « أدخلوها » ؛ بضم الهمزة وكسر الخاء ، على البناء للمفعول ، فلا يكسر حينئذ التنوين ، أي : تقول الملائكة لهم : ادخلوها ، أو قد أدخلهم اللّه إياها .
بِسَلامٍ
أي : سالمين من المكاره والآلام ، أو مسلما عليكم بالتحية والإكرام ،
آمِنِينَ
من الآفة والزوال .
وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ
أي : من حقد وعداوة كانت في الدنيا ، وعن علي رضي اللّه عنه : ( أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ) ، أو من التحاسد على درجات ومراتب القرب . قلت : أما التحاسد على مراتب القرب فلا يكون ؛ لاستغناء كل أحد بما لديه ، وأما التأسف والندم على فوات ذلك بالتفريط في الدنيا فيحصل ، ففي الحديث : « ليس يتحسّر أهل الجنّة على شئ إلّا على ساعة مرّت لهم لم يذكروا اللّه فيها » « 1 » . ولا يحصل التحسر حتى يرى ما فاته باعتبار وقوفه . قال ابن عطية : ذكر هنا نزع الغل من قلوب أهل الجنة ، ولم يذكر له موطنا ، وجاء في بعض الحديث أن ذلك على الصراط ، وجاء في بعضها : أن ذلك على أبواب الجنة ، وفي بعضها : أن الغل يبقى على أبوابها كمعاطن الإبل . ثم قال : وجاء في بعض الأحاديث : أن نزع الغل إنما يكون بعد استقرارهم في الجنة . والذي يقال في هذا : أن اللّه ينزعه في موطن من قوم وفي موطن من آخرين . ه .
هامش
( 1 ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ( باب في محبة الله عز وجل 512 ) من حديث معاذ بن جبل ، وعزاه السيوطي في الجامع الصغير ( 2 / 471 ) للطبراني والبيهقي في الشعب ، ورمز له بالحسن .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 91 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان