تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
يقول الحق جل جلاله‌فى تسلية رسوله - عليه الصلاة والسلام - :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ
رسلا
فِي شِيَعِ
: فرق
الْأَوَّلِينَ
أي : القرون الماضين ، جمع شيعة ، وهي : الفرقة المتفقة على طريق واحد ، وتتشيع لمذهب أو رجل ، من شاعه إذا تبعه ، أي : نبأنا رجالا فيهم ، وجعلناهم رسلا إليهم ، فكذبوهم واستهزءوا بهم ، فكانوا :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
كما يفعل بك هؤلاء المجرمون .
كَذلِكَ نَسْلُكُهُ
أي : ندخل الاستهزاء
فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
. والسلك : إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط ، وفيه دليل على أنه تعالى يخلق الباطل في قلوبهم . وإذا سلك في قلوبهم التكذيب
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ
أبدا . أو : نسلكه ، أي : القرآن ؛ مستهزءا به ، أي : مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين ؛ مكذّبا غير مؤمن به ، ثم هددهم على عدم الإيمان به ، فقال :
وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
أي : تقدمت طريقتهم على هذه الحالة من الكفر والاستهزاء ، حتى هلكوا بسبب ذلك ، أو مضت سنته في الأولين بإهلاك من كذب الرسل منهم ، فيكون وعيدا لأهل مكة .
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ
أي : على هؤلاء المقترحين المعاندين من كفار قريش ،
باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ
: يصعدون إليها ، ويرون عجائبها طول نهارهم ، لكذبوا ، أو فظلت الملائكة يعرجون فيها وهم يشاهدونهم لقالوا ؛ من شدة عنادهم وتشكيكهم في الحق :
إِنَّما سُكِّرَتْ
: حيرت
أَبْصارُنا
، فرأينا الأمر على غير حقيقته ؛ من أجل السكر الذي أصابنا بالسحر . ويحتمل أن يكون مشتقا من السكر بفتح السين ، وهو السد ، أي : سدّت أبصارنا ، ومنعنا من الرؤية الحقيقية .
بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
؛ سحرنا محمد ، كما قالوا عند ظهور غيره من الآيات . قال البيضاوي : وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على جزمهم بأن ما يرونه لا حقيقة له ، بل هو باطل خيّل ما خيل لهم بنوع من السحر . ه . وذلك من فرط عنادهم ، وشقاوتهم . والعياذ باللّه . الإشارة : هذا كله من قبيل التسلية لأهل الخصوصية ، إذا قوبلوا بالإنكار والاستهزاء ، فيرجعون إلى اللّه ، والاكتفاء بعلمه ، والاشتغال باللّه عنه . وقد قال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضى اللّه عنه : عداوة العدو حقا هي اشتغالك بمحبة الحبيب ، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو نال مراده منك ، وفاتتك محبة الحبيب . وقال الولي الصالح سيدي أبو القاسم الخصاصى رضى اللّه عنه لبعض تلامذته : لا تشتغل قط بمن يؤذيك ، واشتغل باللّه يرده عنك ، فإنه هو الذي حركه عليك ، ليختبر دعواك في الصدق . وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير اشتغلوا بإيذاء من آذاهم ، فدام الأذى مع الإثم ، ولو أنهم رجعوا إلى اللّه لردهم عنهم ، وكفاهم أمرهم . ه .