الإشارة : أهل الغفلة والبعد لا يرجعون إلى الله في السراء ولا في الضراء ؛ لا نهماكهم في الغفلة والقساوة ، وأهل اليقظة يرجعون إلى الله في السراء والضراء ، في السراء بالحمد والشكر ، وفي الضراء بالصبر والرضا والتسليم ، مع التضرع والابتهال ؛ عبودية ، والمقتصدون يرجعون إليه - تعالى - في الضراء ، ويغفلون عن الشكر في السراء ، والأول ظالم لنفسه ، والثاني سابق ، والثالث مقتصد . وبالله التوفيق .
ثم ذكر دلائل قدرته - تعالى - وفي ضمنه استدعاؤهم إلى الرجوع إليه تعالى بالشكر ، فقال :
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 78 إلى 83 ]
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 78 ) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 79 ) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 80 ) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ ( 81 ) قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ( 82 )
لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 83 )
يقول الحق جل جلاله :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ
: خلق
لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ
؛ لتشاهدوا بها عجائب مصنوعاته ودلائل قدرته ، أو لتتوصلوا إلى شهود آياته الكونية والتنزيلية ،
وَالْأَفْئِدَةَ
؛ لتتفكروا بها فيما تشاهدونه منها وتعتبروا ، وخصها بالذكر ؛ لأنه يتعلق بها من المنافع مالا يتعلق بغيرها ، وقدّم السمع ؛ لأنّ أكثر العلوم إنما تنال به ،
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
أي : شكرا قليلا غير معتد به تشكرون تلك النعم الجليلة ؛ لأن العمدة في الشكر : صرف تلك القوى - التي هي في أنفسها نعم باهرة - إلى ما خلقت له ، وأنتم تنتحلون بها ضلالا عظيما .
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ
أي : خلقكم وبثكم فيها بالتناسل ،
وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
أي : تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم ، فيجازيكم على إحسانكم وإساءتكم .
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ
، من غير أن يشاركه في ذلك أحد ولا شئ من الأشياء ،
وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ
أي : المؤثر في اختلافهما ،
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
فتعرفون بالنظر والتأمل أن الكل منا ، وأن قدرتنا تعم جميع الممكنات ، التي من جملتها البعث والحساب ، وقرئ « يعقلون » ؛ بالغيب ، على الالتفات ؛ لحكاية سوء حال المخاطبين ،
بَلْ قالُوا
عطف على مضمر يقتضيه المقام ، أي : فلم يعقلوا
بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ
أي : آباؤهم ومن دان دينهم ،
قالُوا أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ
، هو تفسير لما أبهم قبله ، أي :
قالوا : أنبعث بعد هذه الحالة ،
لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا
البعث
مِنْ قَبْلُ
: متعلق بالفعل من حيث إسناده إلى آبائهم لا إليهم ، أي : وعد هذا آباؤنا من قبل ، أو حال من آبائنا ، أي : كائنين من قبل ،
إِنْ هذا
أي :