تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 591

مساهمون:

ص٥٩١
قلت : والتحقيق : أن القحط نزل بهم مرتين ، أحدهما قبل الهجرة ، حين دعا عليهم - صلى اللّه عليه وسلم - بقوله : « اللهم أعنّى عليهم بسبع كسبع يوسف » ، فأخذتهم سنة حصدت كل شئ ، حتى أكلوا الميتة والعظام ، وكانوا يرون كهيئة الدخان من الجوع ، فجاء أبو سفيان فقال : يا محمد ، جئت تأمر بصلة الرحم ، وإن قومك قد هلكوا ، فادع اللّه يغيثنا ، فدعا لهم . . الحديث . وفيه نزل تعالى :
فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ
« 1 » ، الآية ، وقوله هنا :
وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا . . .
الآية . ومرة أخرى بالمدينة ؛ حين استغاثوا به عليه السّلام وهو يخطب ، ولعله هو الذي ذكره ابن عباس في إسلام ثمامة ، ولعل قوله : « فنزلت الآية » سهو ؛ لأنها نزلت قبل الهجرة ، إلّا أن تكون الآية مدنية في السورة المكية ، وقول ابن جزى : « دعا عليهم بعد الهجرة » ، التحقيق : أنه دعا عليهم قبل وبعد . والله أعلم . والمعنى : لو رحمناهم ، وكشفنا ما بهم من القحط والهزال ؛ برحمتنا إياهم ، ووجدوا الخصب ، لا رتدوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والاستكبار ، ولذهب عنهم هذا الخلق والتعلق بك ، وهذا كقوله تعالى في الدخان :
إِنَّكُمْ عائِدُونَ
« 2 » ، قيل : المراد بالضر : العذاب الأخروى ، فيكون كقوله :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
« 3 » .
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ
، وهو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر ، وهو قوله - تعالى - في الدخان :
يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى
« 4 » .
فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ
بذلك ، أي : لم يخضعوا ولم يتذللوا . و « استكانوا » : افتعل من السكون ، والألف زائدة ، أو استفعل من الكون ، أي : انتقل من كون إلى كون ، كاستحال ، إذا انتقل من حال إلى حال ؛ لأن الخاضع ينتقل من كون إلى كون .
وَما يَتَضَرَّعُونَ
أي : وليس من حالهم التضرع إليه تعالى ، وعبّر بالمضارع ، ليدل على الاستمرار ، أي : ليس شأنهم التضرع في هذه الحالة وغيرها ، أو : فما استكانوا فيما مضى ، وما يتضرعون فيما ينزل بهم في المستقبل ، والمعنى : تالله لقد أخذناهم بالعذاب ، وقتلناهم بالسيوف ، وما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم ، فما وجدت ، بعد ذلك ، منهم استكانة ولا تضرع .
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ
، وهو عذاب الآخرة ،
إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ
: متحيرون آيسون من كل خير ، وهذا هو الصواب من حمل العذاب على عذاب الآخرة ، بدليل وصفه بالشدة والإياس . والله تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) الآية 10 من سورة الدخان . ( 2 ) من الآية 15 من سورة الدخان . ( 3 ) من الآية 28 من سورة الأنعام . ( 4 ) من الآية 16 من سورة الدخان .