تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
للرسالة هو السبق في حيازة النعوت العلية ، وإحراز الكمالات السنية ، جبلّة أو اكتسابا ،
فَكَذَّبُوهُما
أي : فتمادوا على تكذيبهما ، وأصروا ، واستكبروا استكبارا ،
فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ
بالغرق في بحر القلزم .
وَلَقَدْ آتَيْنا
بعد إهلاكهم ، وإنجاء بني إسرائيل من ملكهم واسترقاقهم ،
مُوسَى الْكِتابَ
: التوراة ، ولمّا نزلت لإرشاد قومه جعلوا كأنهم أوتوها ، فقيل :
لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
إلى الحق بالعمل بما من الشرائع والأحكام ، وقيل : على حذف مضاف ، أي : آتينا قوم موسى ، كقوله :
عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ
« 1 » ، أي : من آل فرعون وملئهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل من طرد وأبعد عن ساحة رحمة اللّه تعالى والوصول إليه ، فإنما سببه التكبر والعلو ، وكل من قرب ووصل إلى اللّه فإنما سببه التواضع والحنو ، ولذلك ورد : « لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر » « 2 » . وحقيقة الكبر : بطر الحقّ وغمط النّاس ، أي : إنكار الحق واحتقار الناس ، وفي مدح التواضع والخمول مالا يخفى . فمن تواضع ، دون قدره ، رفعه اللّه فوق قدره ، فالتواضع مصيدة الشرف ، به يصطاد وينال ، ومن أوصاف أهل الجنة : « كل ضعيف مستضعف ، لو أقسم على اللّه لأبره في قسمه » « 3 » ، إلى غير ذلك من الأخبار . وكل من أنكر على أهل الخصوصية فسببه إما الحسد ، أو الجهل بأن الخصوصية لا تنافى أوصاف البشرية ، أو قياس الرئاسة الباطنية الدينية على الرئاسة الدنيوية ، فأسقط من لا رئاسة له في الظاهر ولا جاه ، أو لعدم ظهور الكرامة ، وهي غير مطلوبة عند المحققين . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر عيسى عليه السّلام ، فقال :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 50 ]

وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 ) يقول الحق جل جلاله :
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً
دالة على كمال قدرتنا ؛ بولادته منها من غير مسيس بشر ، ووحّدها ؛ لأن الأعجوبة فيهما واحدة . أو المراد : وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية ، فحذفت الأولى ؛ لدلالة الثانية عليها ، أي : وجعلنا ابن مريم وحده ، من غير أن يكون له أب ، آية ، وأمه ، من حيث إنها ولدت من غير ذكر ، آية ، وتقديمه عليه السّلام ؛ لأصالته فيما ذكر من كونه آية ، كما أن تقديم أمه في قوله تعالى :
وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
« 4 » ، لأصالتها فيما نسب إليها من الإحصان والنفخ .
هامش
( 1 ) من الآية 83 من سورة يونس . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( الإيمان ، باب تحريم الكبر وبيانه ) عن عبد اللّه بن مسعود . رضى اللّه عنه . ( 3 ) أخرجه أحمد في المسند ( 3 / 145 ) من حديث أنس بن مالك . وأخرجه ابن ماجة في ( الزهد ، باب من لا يؤبه به ) من حديث معاذ بن جبل ، بلفظ : « ألا أخبركم عن ملوك الجنة ؟ » قلت : بلى ، قال : رجل ضعيف مستضعف ، ذو طمرين ، لا يؤبه ، لو أقسم على اللّه لأبره » . ( 4 ) الآية 91 من سورة الأنبياء .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 578 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان