تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
وَآوَيْناهُما
أي : جعلنا مأويهما ومنزلهما
إِلى رَبْوَةٍ
أي : أرض مرتفعة ، وهو بيت المقدس ؛ فإنها كبد الأرض ، وأقرب الأرض إلى السماء ، بمعنى أنه يزيد علوها على علو الأرض ، فينتقص بعدها عن السماء عن بعد غيرها منها بثمانية عشر ميلا ، كما جاء ، ولعل ذلك سر كونها أرض الحشر ، وكون الإسراء وقع منها . قاله المحشى ، وقيل : دمشق ، وقيل : فلسطين ، والرملة .
ذاتِ قَرارٍ
؛ مستقر من الأرض ، مستوية ، منبسطة ، سهلة ، أو ذات ثمار ، يستقر ؛ لأجل ثمارها ، ساكنوها فيها ،
وَمَعِينٍ
أي : ماء معين ، ظاهر ، جار ، فقيل : من معن ، إذا جرى ، أو مدرك بالعين لظهوره ، من عانه ، إذا أدركه بعينه ، أو من الماعون ، وهو النفع ؛ لأنه نفاع لظهوره وجريه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كان عيسى عليه السّلام منقطعا عن هذا العالم ، متبتلا زاهدا ، لم يتخذ في هذه الدنيا قرارا ، ولم يبن فيها مسكنا ولا دارا ، فكان آية للعباد والزهاد من الرجال . كما أن أمه كانت آية للنساء العابدات ، في التبتل والانقطاع ، فآواهما إلى ربوة التقريب والاصطفاء ، ذات قرار وتمكين ومصافاة ووفاء ، وجعل ، جل جلاله ، أولياءه على قدم أنبيائه ، فمنهم على قدم نوح عليه السّلام في القوة ونفوذ الهمة ، مهما دعا على أحد هلك . ومنهم على قدم إبراهيم عليه السّلام في الشفقة والرحمة وعلو الهمة ، وتحقيق التوحيد ، وإمام أهل التفريد ، ومنهم على قدم موسى عليه السّلام في المناجاة والمكالمة والقوة والعزم ، ومنهم على قدم عيسى عليه السّلام في الزهد والانقطاع ، ومنهم على قدم نبينا محمد - عليه الصلاة والسّلام - ؛ وهو الجامع لما افترق في غيره ، وهو قطب الدائرة ، نفعنا اللّه بهم جميعا . ولمّا كان جلّ الأنبياء بالشام ، التي هي ذات قرار وأنعام ، أمرهم بالأكل من تلك النعم ، والشكر بالعمل الصالح ، فقال :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 51 إلى 56 ]

يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ( 54 ) أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ( 56 ) قلت : ( وإن هذه ) : من كسره استأنف ، ومن فتحه حذف اللام ، أي : فاتقون ؛ لأنّ هذه ، أو معطوف على ما قبله : ( بما تعملون عليم ) ، وبأن هذه ، أو بتقدير : واعلموا أن هذه . و
( زُبُراً )
: حال من : « أمرهم » ، أو من « واو » ( تقطعوا ) ، و ( نسارع ) : خبر « أن » ، و « ما » : موصولة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 579 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان