تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
قلت : القرن : أهل العصر ، سموا به ؛ لقران بعضهم البعض ، و
( تَتْرا )
: حال ، فمن قرأه بالألف فهو كسكرى ، وهو من الوتر ، واحدا بعد واحد ، فالتاء الأولى بدل من الواو ، وأصله : وترى ، كتراث وتقوى ، والألف للتأنيث ، باعتبار أن الرسل جماعة ، ومن نوّنه جعله كأرطى ومعزى ، فيقال : أرطى ومعزى ، وقيل : مصدر بمعنى فاعل ، أي : متتابعين . يقول الحق جل جلاله :
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ
أي : من بعد قوم هود ،
قُرُوناً آخَرِينَ
؛ قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم ،
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ
، « من » : صلة ، أي : ما تتقدم أمة من الأمم المهلكة
أَجَلَها
الذي عيّن لهلاكها في الأزل ،
وَما يَسْتَأْخِرُونَ
عنه ساعة .
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا
، عطف على « أنشأنا » ، على معنى أن إرسالهم متراخ عن إنشاء القرون المذكورة ، وما بينهما اعتراض ، والمعنى : ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين ، قد أرسلنا إلى كل قرن منهم رسولا خاصا به ، والفصل بين الجملتين بالجملة المتعرضة الناطقة بعدم تقدم الأمم أجلها المضروب لهلاكهم ؛ للمسارعة إلى بيان هلاكهم على وجه إجمالي . وقوله :
تَتْرا
أي : متواترين واحدا بعد واحد ، أو متتابعين يتبع بعضهم بعضا ،
كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ
، الرسول يلابس المرسل والمرسل إليه ، والإضافة تكون بالملابسة ، فأضافهم أولا إلى نون العظمة ، وهنا إلى المرسل إليهم ؛ للإشعار بكمال شناعتهم وضلالتهم ، حيث كذبت كلّ أمة رسولها المعين لها ، وعبّر عن التبليغ بالمجيء ؛ للإيذان بأنهم كذبوه في الملاقاة الأولى ،
فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً
في الهلاك ، كما تبع بعضهم بعضا في الكفر والتكذيب ، الذي هو سبب الهلاك ،
وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ
؛ أخبار ، يسمر بها ويتعجب منها ، أي : لم يبق منهم إلا حكايات يعتبر بها المعتبرون ، والأحاديث يكون اسم جمع للحديث ، ومنه : أحاديث النبي - عليه الصلاة السّلام - ويكون جمعا للأحدوثة ، وهي ما يتحدث به الناس ؛ تلهيا وتعجبا ، وهو المراد هنا ،
فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
به وبرسله ، اقتصر هنا على عدم إيمانهم ، وأما القرون الأولى ، فحيث نقل عنهم ما مرّ من العتو وتجاوز الحد في الكفر والعدوان ، وصفهم بالظلم . واللّه تعالى أعلم وأحكم . الإشارة : كل ما حكى اللّه تعالى عن القرون الماضية والأمم السابقة ، فالمراد ترهيب هذه الأمة المحمدية ، وإزعاج لها عن أسباب الهلاك ، وإنهاض لها إلى العمل الصالح ، لتكون أحاديث حسانا بين الأمم ، فكل إنسان ينبغي له أن يجتهد في تحصيل الكمالات العلمية والعملية ، ليكون حديثا حسنا لمن بعده ، كما قال القائل :
ما المرء إلا حديث من بعده * فكن حديثا حسنا لمن وعا
وقال آخر : وما المرء إلا كالشّهاب وضوءه * يحور رمادا بعد ما هو ساطع
وما المال والأهلون إلا وديعة * ولا بدّ يوما « 1 » أن تردّ الودائع
وباللّه التوفيق ،
هامش
( 1 ) في الأصول : ولا بد من يوم .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 576 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان