تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
الموت ،
إِنْ
؛ ما
هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
فيما يدّعيه من الإرسال ، وفيما يعدنا من البعث ،
وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ
: بمصدّقين بما يقول .
قالَ
هود ، أو صالح - عليهما السّلام - بعد ما سلك في دعوتهم كل مسلك ، متضرعا إلى اللّه - عز وجل - :
رَبِّ انْصُرْنِي
عليهم ، وانتقم منهم
بِما كَذَّبُونِ
أي : بسبب تكذيبهم إياي وإصرارهم عليه ،
قالَ
تعالى ؛ إجابة لدعائه :
عَمَّا قَلِيلٍ
أي : عن زمان قليل ، زيدت « ما » ، بين الجار والمجرور ؛ لتأكيد معنى القلة ، أو نكرة موصوفة ، أي : عن شئ قليل
لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ
عما فعلوا من التكذيب ، وذلك عند معاينتهم العذاب .
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
، لعلهم ، حين أصابتهم الريح العقيم ، أصيبوا في تضاعيفها بصيحة هائلة من صوته . أو يراد بها : صرير الريح وصوته . وقد روى أن شدّادا حين أتم بناء إرم ، سار إليها بأهله ، فلما دنا منها بعث اللّه عليهم صيحة من السماء ، فهلكوا ، وقيل : الصيحة : العذاب المصطلم ، قال الشاعر :
صاح الزّمان بآل فدك صيحة * خرّوا ؛ لشدّثها ، على الأذقان
وإذا قلنا : هم قوم صالح ، فالصيحة صيحة جبريل عليه السّلام ، صاح عليهم فدمرهم . وقوله :
بِالْحَقِّ
أي : بالعدل من اللّه ، يقال : فلان يقضى بالحق ، أي : بالعدل ، أو : أخذتهم بالحق ، أي : بالأمر الثابت الذي لا دفاع له ،
فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً
أي : كغثاء السيل ، وهو ما يحمله من الورق والحشيش ، شبههم في دمارهم بالغثاء ، وهو ما يرميه السيل ، من حيث إنهم مرمىّ بهم في كل جانب وسهب .
فَبُعْداً
: فهلاكا ، يقال بعد بعدا ، أي : هلك هلاكا ، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا تظهر أفعالها ، أي : فسحقا
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
، وهو إخبار ، أو دعاء ، واللام ؛ لبيان من دعى عليه بالبعد ، كقوله :
هَيْتَ لَكَ
« 1 » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : من عادة الحق - سبحانه - ، إذا أكب الناس على دنياهم ، واتخذوا إلههم هواهم ، بعث من يذكرهم بالله ، فيقول لهم : اعبدوا اللّه ، ما لكم من إله غيره ، أي : أفردوه بالمحبة ، واقصدوه بالوجهة ، فما عبد اللّه من عبد هواه ، فيقول المترفون ، وهم المنهمكون في الغفلة ، المحجوبون بالنعمة عن المنعم ، الذين اتسعت دائرة حسهم : ما هذا الذي يعظكم ، ويريد أن يخرجكم عن عوائدكم ، إلا بشر مثلكم ، يأكل مما تأكلون ، ويشرب مما تشربون ، ومادروا أنّ وصف البشرية لا ينافي وجود الخصوصية ، فإذا تمادوا في غفلتهم ، وأيس من هدايتهم ، ربما دعا عليهم ، فأصبحوا نادمين ، حين لا ينفعهم الندم ، وذلك عند نزول هواجم الحمام . وباللّه التوفيق .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 42 إلى 44 ]

ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ ( 42 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 43 ) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 44 )
هامش
( 1 ) من الآية 23 من سورة يوسف .