تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
ثم ذكر رسالة موسى وهارون - عليهما السّلام - فقال :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 45 إلى 49 ]

ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 45 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ( 47 ) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ( 48 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 49 ) قلت : « هارون » : بدل من « أخاه » . يقول الحق جل جلاله :
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا
التسع ؛ من اليد ، والعصا ، والطوفان ، والجراد ، والقمّل ، والضفادع ، والدم ، ونقص الثمرات ، والطاعون . ولا مساغ لعدّ فلق البحر منها ؛ إذ المراد الآيات التي كذبوها واستكبروا عنها ، بدليل ما بعدها .
وَسُلْطانٍ مُبِينٍ
؛ وحجة واضحة ملزمة للخصم الإقرار بما دعى إليه ، وهي إمّا العصا ، وإفرادها بالذكر مع اندراجها في الآيات ؛ لأنها أبهر آياته عليه السّلام ، وقد تضمنت معجزات شتى ؛ من انقلابها ثعبانا ، وتلقفها ما أفكته السحرة ، كما تقدم . وأما التعرض لانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر ؛ بضربها ، وحراستها ، وصيرورتها شمعة ، وشجرة خضراء مثمرة ، ودلوا ورشاء ، وغير ذلك مما ظهر منها في غير مشهد فرعون وقومه ، فغير ملائم لمقتضى المقام ، وإمّا ما أتى به من الحجج الباهرة ، فيشمل ما تقدم وغيره .
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ
أي : أشراف قومه ، خصهم بالذكر ؛ ليرتب عليه ما بعده من قوله :
فَاسْتَكْبَرُوا
عن الانقياد وتمردوا . تكبرا وترفعا ،
وَكانُوا قَوْماً عالِينَ
: متكبرين ، متمردين ،
فَقالُوا
، فيما بينهم ، على طريق المناصحة :
أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا
، « مثل » و « غير » يوصف بها الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث ، والبشر يطلق على الواحد ، كقوله :
بَشَراً سَوِيًّا
« 1 » ، وعلى الجمع ، كقوله :
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً
« 2 » ، وأراد به هنا الواحد ، فثناه ، أي : كيف نؤمن لبشرين مثلنا في العجز والافتقار ،
وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ
أي : خادمون منقادون لنا كالعبيد ، وكأنهم قصدوا بذلك التعريض بهما - عليهما السّلام - ، وحط رتبتهما العلية عن منصب الرسالة من وجه آخر غير البشرية ، بناء على زعمهم الفاسد ، من قياس الرئاسة الدينية على الرئاسات الدنيوية ، الدائرة على التقدم في نيل الحظوظ الدنيوية ، من المال والجاه ، كدأب قريش ، حيث قالوا :
لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ
« 3 » .
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
« 4 » . وعلى جهلهم بأن مناط الاصطفاء
هامش
( 1 ) من الآية 17 من سورة مريم . ( 2 ) من الآية 26 من سورة مريم . ( 3 ) الآية 11 من سورة الأحقاف . ( 4 ) الآية 31 من سورة الزخرف .