تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ
، هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما ؛ لأنهم أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة ، وإنما المعنى : الإعلام بأنّ كل رسول في زمانه نودي بذلك ، ووصى به ؛ للإيذان بأن إباحة الطيبات شرع قديم ، جرى عليه جميع الرسل - عليهم الصلاة والسّلام - ووصّوا به ، أي : وقلنا لكل رسول : كل من الطيبات واعمل صالحا . فعبّر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع ؛ للإيجاز ، وفيه من الدلالة على بطلان ما عليه الرهابنة من رفض الطيبات مالا يخفى . قاله أبو السعود . وقيل : خطاب لعيسى عليه السّلام ؛ لا تصال الآية به ، وكان يأكل من غزل أمه ، وهو من أطيب الطيبات ، وقيل : لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لفضله وقيامه مقام الكل ، وكان يأكل من الغنائم ، وما رزقه اللّه من غير اختيار على اللّه ، والجمع : للتعظيم فيهما ، والطيبات : ما يستطاب ويستلذ من مباحات المآكل والفواكه ، حسبما ينبئ عنه سياق النظم الكريم .
وَاعْمَلُوا
عملا
صالِحاً
، فإنه المقصود منكم ؛ شكرا لما أسدى إليكم ، ولا تشتغلوا بالنعم عن طاعة المنعم وشهوده ،
إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ
من الأعمال الظاهرة والباطنة ،
عَلِيمٌ
، فأجازيكم عليه ، وفيه تهديد للمذكورين ، فما بالك بغيرهم ممن ألهته النعم عن شهود المنعم وشكره ؟ !
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ
« 1 » أي : ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها
أُمَّةً واحِدَةً
أي : ملة واحدة ، متحدة في أصول الشرائع ، التي لا تبدل بتبدل الأعصار ، وهو التوحيد وما يتبعه من أصول العقائد .
وَأَنَا رَبُّكُمْ
من غير أن يكون لي شريك في الربوبية ،
فَاتَّقُونِ
: فخافوا عتابى في مخالفتكم أمرى ، أو في شق العصا ، والمخالفة بالإخلال بمواجب ما ذكر من اختصاص الربوبية بي . والخطاب للرسل والأمم جميعا ، على أن الأمر في حق الرسل للتهييج ، وفي حق الأمم للتحذير . قيل : وجاء هنا : « فاتقون » ، الذي هو أبلغ في التخويف والتحذير من قوله في الأنبياء :
فَاعْبُدُونِ
« 2 » ؛ لأن هذه جاءت عقب إهلاك طوائف كثيرين ، وفي الأنبياء ، وإن تقدمت أيضا قصة نوح وما قبلها ، فإنه جاء بعدها ما يدل على الإحسان واللطف التام ، في قصة أيوب ويونس وزكريا ومريم ، فناسب الأمر بالعبادة لمن هذه صفته . ثم قال تعالى :
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ
أي : فتفرقوا في أمر دينهم مع اتحاده ، وجعلوه قطعا متفرقة ، وأديانا مختلفة ،
بَيْنَهُمْ زُبُراً
أي : قطعا - جمع زبور ، بمعنى الفرقة ، ويؤيده قراءة من قرأ :
( زُبُراً )
بفتح الباء ، جمع زبرة ؛ كغرفة ، أي : قطعا مختلفة ، كلّ ينتحل كتابا ، وقيل : جمع زبور ، بمعنى كتاب ، أي : كل فريق يزعم أن له كتابا يتمسك به . وعن الحسن : قطعوا كتاب اللّه قطعا وحرّفوه ، والأول أقرب ، أي : تفرقوا في أصل الدين فرقا ،
هامش
( 1 ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب « وأن » بفتح الهمزة . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بكسر الهمزة على الاستئناف . . انظر الإتحاف ( 2 / 285 ) . ( 2 ) أي : في قوله تعالى : « إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون » . الآية 92 من سورة الأنبياء .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 580 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان