تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
بمن مد يده لشهوة من حرام . ومنها : قضية إبراهيم الخواص رضى اللّه عنه قال : كنت جائعا في الطريق ، فوافيت الرّى - اسم بلدة - فخطر ببالي أن لي بها معارف ، فإذا دخلتها أضافونى وأطعموني ، فلمّا دخلت البلد رأيت فيها منكرا احتجت أن آمر فيه بالمعروف ، فأخذوني وضربونى ، فقلت في نفسي : من أين أصابني هذا ، على جوعى ؟ فنوديت في سرى : إنك سكنت إلى معارفك بقلبك ، ولم تسكن إلى خالقك . وأمثال هذا كثير بأهل الخصوصية ، يؤدبون على أقل شئ من سوء الأدب ؛ لشدة قربهم ، ثم يردون إلى مقامهم . ومن هذا النوع قصة سيدنا يونس عليه السّلام ؛ حيث خرج من غير إذن خاص ، فأدّبه ، ثم رده إلى النبوة والرسالة ، وقد كنت سمعت من بعض الأشياخ أن أيوب عليه السّلام إنما أصيب في ماله ، لأنه كان بجوار ماله كافر ، فكان يداريه ؛ لأجل ماله ، فأصيب فيه وفي بدنه ؛ تأديبا وتكميلا له . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر زكريا عليه السّلام فقال :

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 89 إلى 90 ]

وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ( 90 ) يقول الحق جل جلاله :
وَ
اذكر خبر
زَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ
في طلب الولد ، وقال :
رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً
؛ وحيدا بلا ولد يرثني ، ثم ردّ أمره إليه ؛ مستسلما ، فقال :
وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ
، فحسبى أنت ، وإن لم ترزقني وارثا فلا أبالي ؛ فإنك خير وارث ،
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
دعاءه ،
وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى
ولدا
وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ
أي : أصلحناها للولادة بعد عقمها ، أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقها . وكانت قبل سيئة الخلق ،
إِنَّهُمْ
أي : ما تقدم من الأنبياء ،
كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
أي : إنما استحقوا الإجابة إلى مطالبهم ، وأسعفناهم فيما أمّلوا ؛ لمبادرتهم أبواب الخير ، ومسارعتهم إلى تحصيلها ، مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير كله ، وهو السر في إتيان : « في » ، دون « إلى » ، المشعرة بخلاف المقصود ؛ من كونهم خارجين عن أصل الخيرات ، متوجهين إليها ، كما في قوله تعالى :
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
« 1 » .
وَ
كانوا
يَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً
؛ طمعا وخوفا ، وهما مصدران في موضع الحال ، أو المفعول له ، أي : راغبين في الثواب أو الإجابة ، وراهبين من العقاب أو الخيبة ، أو للرغبة والرهبة ،
وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ
:
هامش
( 1 ) من الآية 133 من سورة آل عمران .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 494 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان