تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
فاستماله برفق ، حيث قال :
فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
أي : مستقيما موصلا إلى أسمى المطالب ، منجيا من الضلال المؤدى إلى مهاوى الردى والمعاطب . ثم ثبّطه عما كان عليه من عبادة الأصنام ، فقال :
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ
، فإن عبادتك للأصنام عبادة له ، إذ هو الذي يسولها لك ويغريك عليها ، ثم علل نهيه فقال :
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
، فهو تعليل لموجب النهى ، وتأكيد له ببيان أنه مستعص على ربك ، الذي أنعم عليك بفنون النعم ، وسينتقم منه فكيف تعبده ؟ . والإظهار في موضع الإضمار ؛ لزيادة التقرير ، والاقتصار على ذكر عصيانه بترك السجود من بين سائر جناياته ؛ لأنه ملاكها ، أو لأنه نتيجة معاداته لآدم وذريته ، فتذكيره به داع لأبيه إلى الاحتراز عن موالاته وطاعته . والتعرض لعنوان الرحمانية ؛ لإظهار كمال شناعة عصيانه . وقوله :
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
تحذير من سوء عاقبة ما كان عليه من عبادة الشيطان ، وهو اقترانه معه في الهوان الفظيع . و
( مِنَ الرَّحْمنِ )
: صفة لعذاب ، أي : عذاب واقع من الرحمن ، وإظهار
( الرَّحْمنِ )
؛ للإشعار بأن وصف الرحمانية لا يدفع حلول العذاب ، كما في قوله تعالى :
ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
« 1 » ،
فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
أي : فإذا قرنت معه في العذاب تكون قرينا له في اللعن المخلد . فهذه موعظة الخليل لأبيه ، وقد استعمل معه الأدب من خمسة أوجه : الأول : ندائه : بيا أبت ، ولم يقل يا آزر ، أو يا أبى . الثاني : قوله :
( ما لا يَسْمَعُ . . . )
إلخ ، ولم يقل : لم تعبد الخشب والحجر . الثالث : قوله :
( إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ )
، ولم يقل له : أنك جاهل ضال . الرابع : قوله :
( إِنِّي أَخافُ )
، حيث عبّر له بالخوف ولم يجزم له بالعذاب . الخامس : في قوله :
( أَنْ يَمَسَّكَ )
، حيث عبّر بالمس ولم يعبر باللحوق أو النزول . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد جمع الحق تبارك وتعالى لخليله مقام الصدّيقية والنبوة مع الرسالة والخلة ، وقدّم الصديقية لتقدمها في الوجود في حال الترقي ، فالصديقية تلى مرتبة النبوة ، كما تقدم في سورة النساء . فالصدّيق عند الصوفية هو الذي يعظم صدقه وتصديقه ، فيصدّق بوجود الحق وبمواعده ، حتى يكون ذلك نصب عينيه ، من غير تردد ولا تلجلج ، ولا توقف على آية ولا دليل . ثم يبذل مهجته وماله في مرضاة مولاه ، كما فعل الخليل ، حيث قدم
هامش
( 1 ) الآية 6 من سورة الانفطار .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 336 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان