تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
قال تعالى :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ
، الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، تنبيها على سوء صنيعهم ، بجعلهم ما يوجب الاتفاق منشا للاختلاف ، فإن ما حكى من مقالات عيسى عليه السّلام ، مع كونها نصوصا قاطعة في كونه عبده تعالى ورسوله ، قد اختلفت اليهود والنصارى بالتفريط والإفراط ، وفرّق النصارى ، فقالت النسطورية : هو ابن الله ، وقالت اليعقوبية : هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء ، وقالت الملكانية : هو ثالث ثلاثة .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
وهم : المختلفون فيه بأنواع الضلالات . وأظهر الموصول في موضع الإضمار ؛ إيذانا بكفرهم جميعا ، وإشعارا بعلّيّة الحكم ،
مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
أي : ويل لهم من شهود يوم عظيم الهول والحساب والجزاء ، وهو يوم القيامة ، أو : من وقت شهوده أو مكانه ، أو من شهادة اليوم عليهم ، وهو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ، بالكفر والفسوق .
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ
أي : ما أسمعهم وما أبصرهم ، تعجب من حدة سمعهم وإبصارهم يومئذ . والمعنى : أن أسماعهم وأبصارهم
يَوْمَ يَأْتُونَنا
للحساب والجزاء جدير أن يتعجب منها ، بعد أن كانوا في الدنيا صما عميا . أو : ما أسمعهم وأطوعهم لما أبصروا من الهدى ، ولكن لا ينفعهم يومئذ مع ضلالهم عنه اليوم ، فقد سمعوا وأبصروا ، حين لم ينفعهم ذلك . قال الكلبي : لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر ، حين يقول اللّه لعيسى :
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 1 » . ه . ويحتمل أن يكون أمر تهديد لا تعجب ، أي : أسمعهم وأبصرهم مواعيد ذلك اليوم ، وما يحيق بهم فيه ، فالجار والمجرور ، على الأول ، في موضع رفع ، وعلى الثاني : نصب .
لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ
أي : في الدنيا ،
فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
أي : لا يدرك غايته ، حيث غفلوا عن الاستماع والنظر بالكلية . ووضع الظالمين موضع الضمير ؛ للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم حيث تركوا النظر .
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ
يوم يتحسر الناس قاطبة ، أما المسئ فعلى إساءته ، وأما المحسن فعلى قلة إحسانه ،
إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ
أي : فرغ من يوم الحساب ، وتميز الفريقان ، إلى الجنة وإلى النار . روى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عن ذلك ، فقال : « حين يجاء بالموت على صورة كبش أملح ، فيذبح ، والفريقان ينظرون ، فينادى ؛ يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ، وأهل النار غما إلى غمهم ، ثم قرأ صلى اللّه عليه وسلم :
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ
، وأشار بيده إلى الدنيا » « 2 » قال مقاتل : ( لولا ما قضى اللّه من تعميرهم فيها ، وخلودهم ؛ لماتوا حسرة حين رأوا ذلك ) .
وَهُمْ
في
هامش
( 1 ) الآية 116 من سورة المائدة . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( التفسير ، باب :وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) . ومسلم في ( الجنة وصفة نعيمها ، باب : النار يدخلها الجبارون ) ، من حديث أبي سعيد الخدري - رضى اللّه عنه - .