تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
بدنه للنيران وطعامه للضيفان وولده للقربان . وكما فعل الصدّيق ، حيث واسى النبي صلى اللّه عليه وسلم بنفسه في الغار ، وخرج عن ماله خمس مرار . وكما فعل الغزالي حيث قدم نفسه للخراب ، حين اتصل بالشيخ وخرج عن ماله وجاهه في طلب مولاه . ، ولذلك قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه : في حقه : « إنا لنشهد له بالصدّيقية العظمى » ، وناهيك بمن شهد له الشاذلي بالصدّيقية . ومن أوصاف الصدّيق أنه لا يتعجب من شئ من خوارق العادة ، مما تبرزه القدرة الأزلية ، ولا يتعاظم شيئا ولا يستغربه ، ولذلك وصف الحق تعالى مريم بالصديقية دون سارة ، حيث تعجبت ، وقالت :
أَ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ
« 1 » ؛ وأما مريم فإنما سألت عن وجه ذلك ، هل يكون بنكاح أم لا ، واللّه تعالى أعلم . وفي الآية إشارة إلى حسن الملاطفة في الوعظ والتذكير ، لا سيما لمن كان معظما كالوالدين ، أو كبيرا في نفسه . فينبغي لمن يذكره أن يأخذه بملاطفة وسياسة ، فيقر له المقام الذي أقامه اللّه تعالى فيه ، ثم يذكره بما يناسبه في ذلك المقام ، ويشوقه إلى مقام أحسن منه ، وأما إن أنكر له مقامه من أول مرة ، فإنه يفرّ عنه ولم يستمع إلى وعظه ، كما هو مجرب . وباللّه التوفيق . ثم ذكر جواب أبيه له ، فقال :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 46 إلى 48 ]

قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ( 46 ) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ( 47 ) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 ) قلت : هذا استئناف بيانى ، مبنى على سؤال نشأ عن صدر الكلام ، كأنه قيل : فماذا قال أبوه عندما سمع هذه النصائح الواجبة القبول ؟ فقال مصرا على عناده : أراغب . . . إلخ . يقول الحق جل جلاله :
قالَ
له أبوه في جوابه :
أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي
أي : أمعرض ومنصرف أنت عنها فوجّه الإنكار إلى نفس الرغبة ، مع ضرب من التعجب ، كأن الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل ، فضلا عن ترغيب الغير عنها ، ثم هدده فقال :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ
عن وعظك
لَأَرْجُمَنَّكَ
بالحجارة ، أي : واللّه لئن لم تنته عما أنت عليه من النهى عن عبادتها لأرجمنك بالحجر ، وقيل باللسان ،
وَاهْجُرْنِي
أي : واتركني
مَلِيًّا
أي : زمنا طويلا ، أو ما دام الأبد ، ويسمى الليل والنهار ملوان ، وهو عطف على محذوف ، أي : احذرنى واهجرني .
هامش
( 1 ) الآية 72 من سورة هود .