تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
فمن اعتزل كل ما سوى اللّه ، وأفرد وجهته إلى مولاه ، لم يشق في مطلبه ومسعاه ، بل يطلعه اللّه على أسرار ذاته ، وأنوار صفاته ، حتى لا يرى في الوجود إلا الواحد الأحد الفرد الصمد . وباللّه التوفيق . ثم ذكر نتيجة الانفراد عمن يصد عن اللّه ، فقال :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 49 إلى 50 ]

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 ) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ( 50 ) قلت :
( وَكُلًّا )
: مفعول أول لجعلنا ، و
( عَلِيًّا )
: حال من اللسان . يقول الحق جل جلاله :
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ
أي : اعتزل إبراهيم قومه
وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
بأن خرج من « كوثى » بأرض العراق ، مهاجرا إلى الشام واستقر بها ،
وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ
ولده
وَيَعْقُوبَ
حفيده ، بعد أن وهب له إسماعيل من أمته هاجر ، التي وهبت لزوجه سارة ، ثم وهبتها له ، فولد له منها إسماعيل ، ولما حملت هاجر بإسماعيل غارت منها سارة ، فخرج بها مع ولدها إسماعيل حتى أنزلهما مكة ، فكان سبب عمارتها . ثم حملت سارة بإسحاق ، ثم نشأ عنه يعقوب ، وإنما خصمها بالذكر لأنهما كانا معه في بلده ، وإسحاق كان متصلا به يسعى معه في مآربه ، فكانت النعمة بهما أعظم . ولعل ترتيب هبتهما على اعتزاله هاهنا لبيان كمال عظم النعمة التي أعطاها اللّه تعالى إياه ، في مقابلة من اعتزلهم من الأهل والأقارب ، فإنهما شجرة الأنبياء ، لهما أولاد وأحفاد ، لكل واحد منهم شأن خطير وعدد كثير .
وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا
أي : وكل واحد منهما أو منهم جعلناه نبيا ورسولا .
وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا
هي النبوة ، وذكرها بعد ذكر جعلهم أنبياء ؛ للإيذان بأنها من باب الرحمة والفضل . وقيل : الرحمة : المال والأولاد ، وما بسط لهم من سعة الرزق ، وقيل : إنزال الكتاب ، والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي .
وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا
: رفيعا في أهل الأديان ، فكل أهل دين يتلونهم ، ويثنون عليهم ، ويفتخرون بهم ؛ استجابة لدعوته بقوله :
وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
« 1 » . والمراد باللسان : ما يوجد به الكلام في لسان العرب ولغتهم ، وإضافته إلى الصدق ، ووصفه بالعلو ؛ للدلالة على أنهم أحقاء لما يثنون عليهم ، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار ، وتبدل الدول ، وتحول الملل والنحل . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) الآية 84 من سورة الشعراء .