تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
هذا اليوم
فِي غَفْلَةٍ
عما يراد بهم في الآخرة ،
وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
بهذا ؛ لاغترارهم ببهجة الدنيا ، فلا بد أن تنهد دعائمها ، وتمحى بهجتها ، ويفنى كل ما عليها ، قال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها
لا ينبغي لأحد غيرنا أن يكون له عليها وعليكم ملك ولا تصرف ، أو : إنا نحن نتوفى الأرض ومن عليها ، بالإفناء والإهلاك ، توفى الوارث لإرثه ،
وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ
؛ يردون إلى الجزاء ، لا إلى غيرنا ، استقلالا أو اشتراكا . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي للعبد المعتنى بشأن نفسه أن يحصّن عقائده بالدلائل القاطعة ، والبراهين الساطعة ، على وفاق أهل السنّة ، ثم يجتهد في صحبة أهل العرفان ، أهل الذوق والوجدان ، حتى يطلعوه على مقام الإحسان ، مقام أهل الشهود والعيان . فإذا فرط في هذا ، لحقه الندم والحسرة ، في يوم لا ينفع فيه ذلك . فكل من تخلف عن مقام الذوق والوجدان ؛ فهو ظالم لنفسه باخس لها ، يلحقه شئ من الخسران ، ولا بد أن تبقى فيه بقية من الضلال ، حيث فرط عن اللحوق بطريق الرجال ، قال تعالى :
( لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ )
.
( وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ )
أي : يوم يرفع المقربون ويسقط المدعون . فأهل الذوق والوجدان حصل لهم اللقاء في هذه الدار ، ثم استمر لهم في دار القرار . روى أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه قال يوما بين يدي أستاذه : ( اللهم اغفر لي يوم لقائك ) . فقال له شيخه - القطب ابن مشيش - رضى اللّه عنهما : هو أقرب إليك من ليلك ونهارك ، ولكن الظلم أوجب الضلال ، وسبق القضاء حكم بالزوال عن درجة الأنس ومنازل الوصال ، وللظالم يوم لا يرتاب فيه ولا يخاتل ، والسابق قد وصل في الحال ، « أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين » . ه . كلامه رضي اللّه عنه . ثم استتبع بذكر قصص الأنبياء ، تتمة للرد على أهل الشرك ، بأن الملل كلها متفقة على إبطاله ، وقدّم الخليل ؛ لأنه إمام أهل التوحيد ، فقال :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 41 إلى 45 ]

وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ( 41 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ( 42 ) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 ) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 ) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 )