تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
قلت :
( إِذْ قالَ )
: بدل اشتمال من
( إِبْراهِيمَ )
، وما بينهما : اعتراض ، أو متعلق بكان . يقول الحق جل جلاله :
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
؛ القرآن أو السورة ،
إِبْراهِيمَ
أي : أتل على الناس نبأه وبلغه إياهم ، كقوله :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ
« 1 » ؛ لأنهم ينتسبون إليه عليه السّلام ، فلعلهم باستماع قصته يقلعون عما هم عليه من الشرك والعصيان .
إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً
؛ ملازما للصدق في كل ما يأتي ويذر ، أو كثير التصديق ؛ لكثرة ما صدق به من غيوب اللّه تعالى وآياته وكتبه ورسله ، فالصدّيق مبالغة في الصدق ، يقال : كل من صدق بتوحيد اللّه وأنبيائه وفرائضه ، وعمل بما صدق به فهو صدّيق ، وبذلك سمى أبو بكر الصدّيق ، وسيأتي في الإشارة تحقيقه عند الصوفية ، إن شاء اللّه . والجملة : استئناف مسوق لتعليل موجب الأمر ؛ فإن وصفه عليه السّلام بذلك من دواعي ذكره ، وكان أيضا
نَبِيًّا
، أي : كان جامعا بين الصديقية والنبوة ، إذ كل نبي صدّيق ، ولا عكس . ولم يقل : نبيا صديقا ؛ لئلا يتوهم تخصيص الصديقية بالنبوة .
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ
آزر ، متلطفا في الدعوة مستميلا له :
يا أَبَتِ
، التاء بدل من ياء الإضافة ، أي : يا أبى ،
لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ
ثناءك عليه حين تعبده ، ولا جؤارك إليه حين تدعوه ،
وَلا يُبْصِرُ
خضوعك وخشوعك بين يديه ، أو : لا يسمع ولا يبصر شيئا من المسموعات والمبصرات ، فيدخل في ذلك ما ذكر دخولا أوليا ،
وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
أي : لا يقدر أن ينفعك بشئ في طلب نفع أو دفع ضرر . انظر ؛ لقد سلك عليه السّلام في دعوته وموعظته أحسن منهاج وأقوم سبيل ، واحتج عليه بأبدع احتجاج ، بحسن أدب ، وخلق جميل ، لكن وقع ذلك لسائر ركب متن المكابرة والعناد ، وانتكب بالكلية عن محجة الصواب والرشاد ، أي : فإنّ من كان بهذه النقائص يأبى من له عقل التمييز من الركون إليه ، فضلا عن عبادته التي هي أقصى غاية التعظيم ، فإنها لا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإنعام العام ، الخالق الرازق ، المحيي المميت ، المثيب المعاقب ، والشيء لو كان مميزا سميعا بصيرا قادرا على النفع والضر ، لكنه ممكن ، لاستنكف العقل السليم عن عبادته ، فما ظنك بجماد مصنوع من حجر أو شجر ، ليس له من أوصاف الأحياء عين ولا أثر . ثم دعاه إلى اتباعه ؛ لأنه على المنهاج القويم ، مصدّرا للدعوة بما مرّ من الاستعطاف والاستمالة ، حيث قال :
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ
، لم يسم أباه بالجهل المفرط ، وإن كان في أقصاه ، ولا نفسه بالعلم الفائق ، وإن كان في أعلاه ، بل أبرز نفسه في صورة رفيق له ، أعرف بأحوال ما سلكاه من الطريق ،
هامش
( 1 ) من الآية 69 من سورة الشعراء .