تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
تمشطها ، فوقع المشط من يدها ، فقالت : بسم الله ، فقالت ابنته : أبى ؟ فقالت : لا ، بل ربى وربك ورب أبيك . فقالت : أخبر بذلك أبى ؟ قالت : نعم ، فأخبرته فدعاها ، وقال : من ربك ؟ قالت : ربى وربك في السماء ، فأمر فرعون ببقرة - أي : آنية عظيمة من نحاس - فأحميت ، ودعاها بولدها ، فقالت : إن لي إليك لحاجة ، قال : وما حاجتك ؟ قالت : تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا ، قال : وذلك لك علينا من الحقّ ، سأفعل ذلك لك ، فأمر بأولادها واحدا واحدا ، حتى إذا كان آخر ولدها ، وكان صبيا مرضعا ، قال : اصبري يا أمه . . فألقاها في البقرة مع ولدها « 1 » . ه . الإشارة : يؤخذ من الآية أمور صوفية ، منها : أن الإنسان يباح له أن يستتر في الأمور التي تهتك عرضه ، ويهرب إلى مكان يصان فيه عرضه ، إلا أن يكون في مقام الرياضة والمجاهدة ، فإنه يتعاطى ما تموت به نفسه ، ومنها : أنه لا بأس أن يلجأ الإنسان إلى ما يخفف آلامه ويسهل شدته ، ولا ينافي توكله . ومنها : أن لا بأس أن يتمنى الموت إذا خاف ذهاب دينه أو عرضه ، أو فتنة تحول بينه وبين قلبه . ويؤخذ أيضا من الآية : أن فزع القلب عند الصدمة الأولى لا ينافي الصبر والرضا ؛ لأنه من طبع البشر ، وإنما ينافيه تماديه على الجزع . ومنها : أن تحريك الأسباب الشرعية لا ينافي التوكل ، لقوله تعالى :
( وَهُزِّي إِلَيْكِ )
. لكن إذا كانت خفيفة مصحوبة بإقامة الدين ، غير معتمد عليها بقلبه ، فإن كان متجردا فلا يرجع إليها حتى يكمل يقينه ، ويتمكن في معرفة الحق تعالى . وقد كانت في بدايتها تأتى إليها الأرزاق بغير سبب كما في سورة آل عمران « 2 » ، وفي نهايتها قال لها :
( وَهُزِّي إِلَيْكِ )
. قال الشيخ أبو العباس المرسى رضي اللّه عنه : كانت في بدايتها متعرفا إليها بخرق العادات وسقوط الأسباب ، فلما تكمل يقينها رجعت إلى الأسباب ، والحالة الثانية أتم من الحالة الأولى ، وأما من قال : إن حبها أولا كان للّه وحده ، فلما ولدت انقسم حبها ، فهو تأويل لا يرضى ولا ينبغي أن يلتفت إليه ، لأنها صدّيقة ، والصدّيق والصدّيقة لا ينتقلان من حالة إلا إلى أكمل منها . ومنها : أن الإنسان لا بأس أن يوجب على نفسه عبادة ، إذا كان يتحصن بها من الناس ، أو من نفسه ، كالصوم أو الصمت « 3 » أو غيرهما ، مما يحجزه عن العوام ، أو عن الانتصار للنفس . وقوله تعالى :
( وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ . . . )
الآية : قال : الورتجبي : سلام يحيى سلام تخصيص الربوبية على العبودية . ثم قال : وسلام عيسى من عين الجمع ، سلام فيه مزية ظهور الربوبية في معدن العبودية . وأرفع المقامين سلام الحق على سيد المرسلين كفاحا في وصاله وكشف جماله ، ولو سلّم عليه بلسانه كان بلسان الحدث ، ولا يبلغ رتبة سلامه بوصف قدمه . ه .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ( 1 / 309 ) مرفوعا . والحديث في مجمع الزوائد ( 1 / 65 ) وعزاه لأحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط . ( 2 ) في قوله تعالى :كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . .الآية 37 . ( 3 ) قلت : ما قاله جائز في الصوم ، وغير جائز في الصمت ؛ لما ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي نذر الصوم والصمت أن يتم صومه ، وأن يتكلم . فتأمله ؛ فإنه دقيق .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 331 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان