تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
، فمن أين لك هذا الولد من غير زوج ؟ . هذا تقرير لكون ما جاءت به فريا منكرا ، أو تنبيه على أن ارتكاب الفواحش من أولاد الصالحين أفحش الفواحش .
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ
أي : إلى عيسى أن كلموه ، ولم تكلمهم وفاء بنذرها ، وإشارتها إليه من باب الإدلال ، رجوعا لقوله لها :
( وَقَرِّي عَيْناً )
، ولا تقر عينها إلا بالوفاء بما وعدت به ؛ من العناية بأمرها والكفاية لشأنها ، وذلك يقتضى انفرادها بالله وغناها به ، فتدل بالإشارة . وكان ذلك طوع يدها ، وتذكّر قضية جريج . قاله في الحاشية .
قالُوا
منكرين لجوابها :
كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
، ولم يعهد فيما سلف صبي يكلمه عاقل . و
« كانَ »
هنا : تامة . و
« صَبِيًّا »
: حال . وقيل : زائدة ، أي : من هو في المهد .
قالَ
عيسى عليه السّلام :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
، أنطقه اللّه تعالى بذلك ، تحقيقا للحق ، وردا على من يزعم ربوبيته . قيل كان المستنطق لعيسى زكريا - عليهما السلام - وعن السدى : ( لما أشارت إليه ، غضبوا ، وقالوا : لسخريتها بنا أشدّ علينا مما فعلت ) . روى أنه عليه السّلام كان يرضع ، فلما سمع ذلك ترك الرضاع ، وأقبل عليهم بوجهه ، واتكأ على يساره ، وأشار بسبابته ، فقال ما قال . وقيل : كلمهم بذلك ، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغا يتكلم فيه الصبيان . ثم قال في كلامه :
آتانِيَ الْكِتابَ
: الإنجيل :
وَجَعَلَنِي
مع ذلك
نَبِيًّا
،
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً
: نفّاعا للناس ، معلما للخير
أَيْنَ ما كُنْتُ
أي : حيثما كنت ،
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ
: أمرني بها أمرا مؤكدا ،
وَالزَّكاةِ
؛ زكاة الأموال ، أو بتطهير النفس من الرذائل
ما دُمْتُ حَيًّا
في الدنيا .
وَ
جعلني
بَرًّا بِوالِدَتِي
فهو عطف على
مُبارَكاً
. وقرئ بالكسر ، على أنه مصدر وصف به مبالغة ، وعبّر بالفعل الماضي في الأفعال الثلاثة ؛ إما باعتبار ما سبق في القضاء المحتوم ، أو بجعل ما سيقع واقعا لتحققه . ثم قال :
وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا
عند اللّه تعالى ، بل متواضعا لينا ، سعيدا مقربا ، فكان يقول : سلوني ، فإن قلبي لين ، وإني في نفسي صغير ، لما أعطاه اللّه من التواضع . ثم قال :
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
، كما تقدم على يحيى . وفيه تعريض بمن خالفه ، فإن إثبات جنس السلام لنفسه تعريض بإثبات ضده لأضداده ، كما في قوله تعالى :
وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
« 1 » ؛ فإنه تعريض بأن العذاب على من كذّب وتولى . فهذا آخر كلام عيسى عليه السّلام ، وهو أحد من تكلم في المهد ، وقد تقدم ذكرهم في سورة يوسف نظما ونثرا . وكلهم معروفون ، غير أن ماشطة ابنة فرعون لم تشتهر حكايتها . وسأذكرها كما ذكرها الثعلبي . قال : قال ابن عباس : ( لما أسرى بالنبي صلى اللّه عليه وسلم مرت به ريح طيبة فقال : يا جبريل ما هذه الرائحة ؟ قال : رائحة ماشطة بنت فرعون ، كانت
هامش
( 1 ) الآية 47 من سورة طه .