تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
بإظهار الدين وإخفاء الشرك وبطلانه ؛ فالحمد للّه على ذلك كما قال تعالى :
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً
كما يزعم اليهود والنصارى وبنو مدلج ؛ حيث قالوا : عزيز ابن اللّه ، والمسيح ابن اللّه ، والملائكة بنات اللّه . تعالى اللّه عن قولهم علوا كبيرا ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ
؛ في الألوهية ؛ كما تقول الثنوية القائلون بتعدد الآلهة .
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ
أي : لم يكن له ناصر ينصره
( مِنَ الذُّلِّ )
أي : لم يذل فيحتاج إلى ولي يواليه ؛ ليدفع ذلك عنه . وفي التعرض في أثناء الحمد لهذه الصفات الجليلة ؛ إيذان بأن المستحق للحمد من هذه نعوته ، دون غيره ؛ إذ بذلك يتم الكمال ، وما عداه ناقص حقير ، ولذلك عطف عليه :
وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً
عظيما ، وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد ، واجتهد في العبادة والتحميد ، ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك . روى أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أفصح الغلام من بنى عبد المطلب علّمه هذه الآية :
( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ . . . )
إلخ « 1 » . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الإجهار بالذكر والقراءة والدعاء ، مباح لأهل البدايات ، لمن وجد قلبه في ذلك ، وأما النهى الذي في الآية فمنسوخ ؛ لأن الصحابة ، حين هاجروا من مكة ، رفعوا أصواتهم بالقراءة والتكبير . لكن المداومة عليه من شأن أهل البعد عن الحضرة ، وأما أهل القرب فالغالب عليهم السكوت أو المخافتة ؛ قال تعالى :
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً
« 2 » . وأما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام لأبى بكر رضي اللّه عنه بالإجهار قليلا ، وعمر بالخفض قليلا ؛ فإخراج لهم عن مرادهم ؛ تربية لهم . وختم السورة بآية العز ؛ إشارة إلى أن من أسرى بروحه ، أو بجسده إلى الملأ الأعلى كان عاقبته العز والرفعة في الدارين .
هامش
( 1 ) أخرجه ابن السنى في عمل اليوم والليلة ( باب ما يلقن الصبى إذا أفصح بالكلام ) ، من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده . ( 2 ) من الآية 108 من سورة طه .