تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
فقد آمن من هو أعلى منكم وأحسن إيمانا منكم . ويجوز أن يكون تعليلا لقل ، على سبيل التسلية للرسول - عليه الصلاة السلام ، كأنه يقول : تسلّ بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة ، ولا تكثرت بإيمانهم وإعراضهم .
وَيَقُولُونَ
في سجودهم :
سُبْحانَ رَبِّنا
عن خلف وعده ؛
إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا
أي : إن الأمر والشأن كان وعد ربنا مفعولا لا محالة ،
وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ
كرره ؛ لاختلاف السبب ، فإن الأول : لتعظيم اللّه وشكر إنجاز وعده . والثاني : لما أثر فيهم من مواعظ القرآن ،
يَبْكُونَ
: حال ، أي : حال كونهم باكين من خشية اللّه ،
وَيَزِيدُهُمْ
القرآن
خُشُوعاً
، كما يزيدهم علما باللّه تعالى . الإشارة : وبالحق أنزلناه ، أي بالتعريف بأسرار الربوبية ، وبالحق نزل ؛ لتعليم آداب العبودية . أو : بالحق أنزلناه ، يعنى : علم الحقيقة ، وبالحق نزل علم الشريعة والطريقة . وما أرسلناك إلا مبشرا لأهل الإخلاص بالوصول والاختصاص ، ونذيرا لأهل الخوض بالطرد والبعد . وقرآنا فرقناه ، لتقرأه نيابة عنا ، كي يسمعوه منا بلا واسطة ، عند فناء الرسوم والأشكال ، ونزّلناه ، للتعريف بنا تنزيلا ، قل آمنوا به ؛ لتدخلوا حضرتنا ، أو لا تؤمنوا ، فإن أهل العلم بنا قائمون بحقه ، خاشعون عند تلاوته ، متنعمون بشهودنا عند سماعه منا . وباللّه التوفيق . ولما كان القرآن مشتملا على أسماء كثيرة من أسماء اللّه الحسنى ، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في دعائه : « يا اللّه ، يا رحمن » ، قالوا : إنه ينهانا عن عبادة إلهين ، وهو يدعو إلها آخر . وقالت اليهود : إنك لتقل ذكر الرحمن ، وقد أكثر اللّه تعالى ذكره في التوراة ، فأنزل اللّه ردا على الفريقين :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى . . .
قلت : « أي » : شرطية ، و ( ما ) : زائدة ؛ تأكيدا لما في « أيا » من الإبهام ، وتقدير المضاف : أىّ الأسماء تدعو به فأنت مصيب . يقول الحق جل جلاله :
قُلِ
يا محمد للمؤمنين :
ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
؛ نادوه بأيهما شئتم ، أو سموه بأيهما أردتم . والمراد : إما التسوية بين اللفظين ؛ فإنهما عبارتان عن ذات واحد ، وإن اختلف الاعتبار ، والتوحيد إنما هو للذات ، الذي هو المعبود بالحق ، وإما أنهما سيان في حسن الإطلاق والوصول إلى المقصود ، فلذلك قال :
أَيًّا ما تَدْعُوا
؛ أىّ اسم تدعوا به تصب ،
فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
فيكون الجواب محذوفا ، دلّ عليه الكلام . وقيل : التقدير أياما تدعو به فهو حسن ، فوضع موضعه :
فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
؛ للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه ؛ إذ حسن جميع الأسماء يستدعى حسن ذينك الاسمين ، وكونها حسنى ؛ لدلاتها على صفات الكمال من الجلال والجمال ؛ إذ كلها راجعة إلى حسن ذاتها ، وكمالها ؛ جمالا وجلالا .