تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
قلت : ولعله ذكر اسما آخر يكمل التسعة والتسعين . وإلا فهو مذكور في الرواية المتقدمة من التسعة والتسعين . واللّه تعالى أعلم . الإشارة :
( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ )
، قال الورتجبي : إن اللّه سبحانه دعا عباده إلى معرفة الاسمين الخاصين ، اللذين فيهما أسرار جميع الأسماء والصفات والذات ، والنعوت والأفعال ؛ فاللّه اسمه ، وهو اسم عين جمع الجمع ، والرحمن اسم عين الجمع ؛ فالرحمن مندرج تحت اسمه : « الله » ؛ لأنه عين الكل ، وإذا قلت : اللّه ؛ ذكرت عين الكل . ثم قال : وإذا قال « الله » ؛ يفنى الكل ، وإذا قال : « الرحمن » ؛ يبقى الكل ، من حيث الاتصاف والاتحاد ، فالاتصاف بالرحمانية يكون ، والاتحاد بالألوهية يكون . ثم قال : عن الأستاذ : من عظيم نعمه سبحانه على أوليائه : أنه ينزههم بأسرارهم في رياض ذكره ؛ بتعداد أسمائه الحسنى ، فيتنقلون من روضة إلى روضة ، ومن مأنس إلى مأنس ، ويقال : الأغنياء تنزههم في بساتينهم ، وتنزههم في منابت رياحينهم . والفقراء تنزههم في مشاهد تسبيحهم ، ويستروحون إلى ما يلوح لأسرارهم من كشوفات جلاله وجماله . ه . قلت : والعارفون تنزههم في مشاهدة أسرار محبوبهم ، وما يكشف لهم من روض جماله وجلاله . وباللّه التوفيق . ثم أمره بإخفاء قراءته عن المشركين ؛ لئلا يسبوا القرآن ومن جاء به ، فقال :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 110 إلى 111 ]

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 110 ) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ( 111 ) يقول الحق جل جلاله :
وَلا تَجْهَرْ
بقراءة صلاتك ، بحيث تسمع المشركين ، فإن ذلك يحملهم على السب واللغو فيها ،
وَلا تُخافِتْ
أي : تسر
بِها
؛ حتى لا تسمع من خلفك من المؤمنين ،
وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
؛ واطلب بين المخافتة والإجهار طريقا قصدا ، فإنّ خير الأمور أوسطها . والتعبير عن ذلك بالسبيل باعتبار أنه طريق يتوجه إليه المتوجهون ، ويؤمه المقتدون ليوصلهم إلى المطلوب . روى أن أبا بكر رضي اللّه عنه كان يخفت ، ويقول : أناجى ربّى ، وقد علم حاجتي . وعمر رضي اللّه عنه كان يجهر ، ويقول : أطرد الشّيطان وأوقظ الوسنان . فلما نزلت ، أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا بكر أن يجهر قليلا ، وعمر أن يخفض قليلا « 1 » . وقيل : المعنى :
وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ
كلها ،
وَلا تُخافِتْ بِها
بأسرها ،
وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا
؛ بالمخافتة نهارا والجهر ليلا . وقيل :
( بِصَلاتِكَ )
؛ بدعائك . وذهب قوم إلى أنها منسوخة ؛ لزوال علة السب واللغو ؛
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه أبو داود في ( التطوع ، باب في رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل ) ، والترمذي في ( المواقيت ، باب ما جاء في قراءة الليل ) عن أبي قتادة .