تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ
أي : للكتاب
عِوَجاً
؛ شيئا من العوج ، باختلاف في اللفظ ، وتناقض في المعنى ، وانحراف في الدعوة . قال القشيري : صانه عن التناقض والتعارض ، فهو كتاب عزيز من ربّ عزيز ، ينزل على عبد عزيز .
قَيِّماً
: مستقيما متناهيا في الاستقامة ، معتدلا لا إفراط فيه ولا تفريط ، فهو تأكيد لما دل عليه نفى العوج ، مع إفادته كون ذلك من صفاته الذاتية ، حسبما تنبئ عنه الصيغة . أو قيّما بالمصالح الدينية والدنيوية للعباد ، على ما ينبئ عنه ما بعده من الإنذار والتبشير ، فيكون وصفا له بالتكميل ، بعد وصفه بالكمال ، أو : قيّما على ما قبله من الكتب السماوية ، وشاهدا بصحتها ومهيمنا عليها .
لِيُنْذِرَ
: ليخوّف اللّه تعالى به ، أو الكتاب ، والأول أولى ؛ لتناسب المعطوفين بعده ، أي : أنزل الكتاب لينذر بما فيه الذين كفروا
بَأْساً
: عذابا
شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ
أي : صادرا من عنده ، نازلا من قبله ، في مقابلة كفرهم وتكذيبهم .
وَيُبَشِّرَ
- بالتشديد والتخفيف ،
الْمُؤْمِنِينَ
: المصدقين به ،
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ
أي : العمال
الصَّالِحاتِ
التي تنبثّ في تضاعيفه
أَنَّ لَهُمْ
أي : بأن لهم في مقابلة إيمانهم وأعمالهم
أَجْراً حَسَناً
، هو الجنة وما فيها من المثوبات الحسنى ،
ماكِثِينَ فِيهِ
أي : في ذلك الأجر
أَبَداً
على سبيل الخلود . والتعبير بالمضارع في الصلة - أعنى : الذين يعملون - ؛ للإشعار بتجدد الأعمال الصالحات واستمرارها ، وإجراء الموصول على الموصوف بالإيمان ؛ إيماء بأن مدار قبول الأعمال هو الإيمان . وتقديم الإنذار على التبشير ؛ لإظهار كمال العناية بزجر الكفار عما هم عليه ، مع مراعاة تقديم التخلية على التحلية . وتكرير الإنذار بقوله تعالى :
وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
: متعلق بفرقة خاصة ، ممن عمّه الإنذار السابق ، من مستحقي البأس الشديد ؛ للإيذان بكمال فظاعة حالهم ، لغاية شناعة كفرهم وضلالهم ، أي : وينذر ، من بين سائر الكفرة ، هؤلاء المتفوهين بمثل هذه القولة العظيمة ، وهم كفار العرب الذين قالوا : الملائكة بنات اللّه ، واليهود القائلون : عزير ابن اللّه ، والنصارى القائلون : المسيح ابن اللّه .
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ
أي : ما لهم باتخاذه الولد شئ من علم أصلا ؛ لضلالهم وإضلالهم ،
وَلا لِآبائِهِمْ
الذين قلدوهم ، فتاهوا جميعا في تيه الجهالة والضلالة ، أو : ما لهم علم بما قالوا ، أصواب أم خطأ ، بل إنما قالوه ؛ رميا بقول عن عمى وجهالة ، من غير فكر ولا روية ، كقوله تعالى :
خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ
« 1 » . أو : ما لهم علم بحقيقة ما قالوا ، وبعظم رتبته في الشناعة ، كقوله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
« 2 » ، وهو الأنسب لقوله
كَبُرَتْ كَلِمَةً
أي : عظمت مقالتهم هذه في الكفر والافتراء ؛ لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائه ؛ لما فيه من التشبيه والتشريك ، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه . فما أقبحها مقالة
تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ
أي : يتفوهون
هامش
( 1 ) الآية 100 من سورة الأنعام . ( 2 ) الآيات : 88 - 90 من سورة مريم .