تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
بها من غير حقيقة ولا تحقيق لمعناها ،
إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً
: ما يقولون في ذلك إلا قولا كذبا ، لا يكاد يدخل فيه إمكان الصدق أصلا . الإشارة : من كملت عبوديته للّه ، وصار حرا مما سواه ، بحيث تحرر من رق الأكوان ، وأفضى إلى مقام الشهود والعيان ، أنزل اللّه على قلبه علم التحقيق ، وسلك به منهاج أهل التوفيق ، منهاجا قيما ، لا إفراط فيه ولا تفريط ، محفوظا في باطنه من الزيغ والإلحاد ، وفي ظاهره من الفساد والعناد ، قد تولى اللّه أمره وأخذه عنه ، فهو على بينة من ربه فيما يأخذ ويذر . فإن أذن له في التذكير وقع في مسامع الخلق عبارته ، وجليت إليهم إشارته ، فبشّر وأنذر ، ورغّب وحذّر ، يبشر أهل التوحيد والتنزيه بنعيم الجنان ، وبالنظر إلى وجه الرحمن ، وينذر أهل الشرك بعذاب النيران ، وبالذل والهوان ، نعوذ باللّه من موارد الفتن . ولمّا كانت قريش تتفوه بشئ من هذه الكلمات ، التي شنّع اللّه على من تفوه بها ، وكان عليه الصلاة والسلام يتأسف من ذلك ، خفف عنه ذلك ، وأمره بالتسلى عنهم ، فقال :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 6 إلى 8 ]

فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً ( 6 ) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ( 7 ) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ( 8 ) قلت : ( أسفا ) : مفعول من أجله لباخع ، أو حال ، أي : متأسفا ، وجواب « إن » : محذوف ، أي : إن لم يؤمنوا فلعلك باخع نفسك . يقول الحق جل جلاله :
فَلَعَلَّكَ
يا محمد
باخِعٌ
: مهلك
نَفْسَكَ
وقاتلها بالغم والأسف على تخلف قومك عن الإيمان وفراقهم عنك ،
عَلى آثارِهِمْ
إذا تولوا عنك ، عندما تدعوهم إلى اللّه . شبهه ، لأجل ما تداخله من الوجد على توليتهم ، بمن فارقته أعزته ، وهو يتحسر على آثارهم ، ويبخع نفسه وجدا عليهم .
إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ
أي : القرآن الذي عبّر عنه في صدر السورة بالكتاب ، صدر ذلك منك
أَسَفاً
أي : بفرط الحزن والتأسف عليهم . ثم علل وجه إدبارهم عن الإيمان ، وهو اغترارهم بزهرة الدنيا ، فقال :
إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ
؛ من الأشجار والأزهار والثمار ، وما اشتملت عليه من المعادن ، وأنواع الملابس والمطاعم ، والمراكب والمناكح ،
زِينَةً لَها
أي : مبهجة لها ، يستمتع بها الناظرون ، وينتفعون بها مأكلا وملبسا ، ونظرا واعتبارا ، حتى إن الحيّات والعقارب ؛ من حيث تذكيرها بعذاب الآخرة ، من قبيل المنافع ، بل كل حادث داخل تحت الزينة من حيث دلالته على الصانع ، وكذلك الأزواج والأولاد ، بل هم من أعظم زينتها ، داخلون تحت الابتلاء . جعلنا ذلك
لِنَبْلُوَهُمْ
: