ولما ذكر آية موسى عليه السّلام ذكر آية نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو القرآن ، فقال :
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 105 إلى 109 ]
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 105 ) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً ( 106 ) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً ( 108 ) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ( 109 )
قلت : تقديم المعمول ، وهو
( بِالْحَقِّ )
: يؤذن بالحصر . و
( قُرْآناً )
: مفعول بمحذوف يفسره ما بعده .
يقول الحق جل جلاله في شأن القرآن :
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ
أي : ما أنزلنا القرآن إلا ملتبسا بالحق ، المقتضى لإنزاله ، وما نزل إلا بالحق الذي اشتمل عليه من الأمر والنهى ، والمعنى : أنزلناه حقا مشتملا على الحق . أو : ما أنزلناه من السماء إلا محفوظا بالرصد من الملائكة ، وما نزل على الرسول إلا محفوظا من تخليط الشياطين . ولعل المراد : عدم اعتراء البطلان له أولا وآخرا .
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً
للمطيعين بالثواب ،
وَنَذِيراً
للعاصين بالعقاب ، وهو تحقيق لحقية بعثه - عليه الصلاة والسلام - إثر تحقيق حقية إنزال القرآن .
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ
أي : أنزلناه مفرقا منجما في عشرين سنة ، أو ثلاث وعشرين . قال القشيري : فرق القرآن ؛ ليهون حفظه ، ويكثر تردد الرسول عليه من ربه ، وليكون نزوله في كل وقت ، وفي كل حادثة وواقعة ؛ دليلا على أنه ليس مما أعانه عليه غيره . ه .
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ
؛ على مهل وتؤدة وتثبت ؛ فإنه أيسر للحفظ ، وأعون على الفهم ،
وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا
على حسب ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ، والحوادث الواقعة .
قُلْ
للذين كفروا :
آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا
، فإنّ إيمانكم لا يزيده كمالا ، وامتناعكم منه لا يزيده نقصانا . أو : أمر باحتقارهم وعدم الاكتراث بهم ، كأنه يقول : سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا ؛ لأنكم لستم بحجة ، وإنما الحجة لأهل العلم ، وهم : المؤمنون من أهل الكتاب ، الذين أشار إليهم بقوله :
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ
أي : العلماء الذين قرأوا الكتب السالفة من قبل تنزيله ، وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة ، وتمكنوا من التمييز بين الحق والباطل ، والمحق والمبطل ،
إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ
القرآن
يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ
أي : يسقطون على وجوههم
سُجَّداً
؛ تعظيما لأمر للّه ، أو شكرا لإنجازه ما وعد في تلك الكتب ؛ من نعتك ، وإظهارك ، وإنزال القرآن عليك .
والأذقان : جمع ذقن ، وهو : أسفل الوجه حيث اللحية . وخصها بالذكر ؛ لأنها أول ما تلقى في الأرض من وجه الساجد . والجملة : تعليل لما قبلها من قوله :
آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا
؛ من عدم المبالاة . والمعنى : إن لم تؤمنوا