تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المظهرى — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
وقال الحسن هذا في المريض الذي يستطيع الصوم خير بين ان يصوم وبين ان يفطر ويفدى ثم نسخ بذلك وعلى هذه الأقوال كلها لم يثبت حكم الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم بنص القران ومن ثم قال مالك والشافعي في أحد قوليه ان الشيخ الفاني يجوز له الفطر للعجز حيث
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
ولا يجب عليه الفدية لان إيجاب الفدية لا بد له من دليل والمثل الغير المعقول لا يثبت بالرأي - وذهب جماعة إلى أن الآية غير منسوخة ومعناه وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب فعجزوا عنه بعد الكبر الفدية بدل الصوم - وهذا التأويل لا يصاعده نظم الكلام - وقال الشيخ الأجل جلال الدين في تفسير الآية بتقدير لا يعنى وعلى الّذين لا يطيقونه فدية - كما في قوله تعالى
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
اى لان لا تضلّوا - قلت وتقدير لا أيضا بعيد فإنه ضد ما هو ظاهر العبارة حيث يجعل الإيجاب سلبا - فان قيل مذهب أبى حنيفة واحمد والأصح من مذهب الشافعي وبه قال سعيد بن جبير ان الواجب على الشيخ الفاني الفدية مكان الصوم ومبنى هذه الأقوال ليس الا هذه الآية ولولا ذلك التأويل الذي لم ترتض منه فبم تقول بوجوب الفدية على الشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه - قلت واللّه اعلم أن التأويل هو الأول وحاصله ان حكم الآية كان في ابتداء الإسلام التخيير بين الصوم والفدية للذين يطيقون الصوم وللذين لا يطيقونه بدلالة النص بالطريق الأولى لأنه سبحانه لما خير المطيقين فضلا وتيسيرا فغير المطيقين أولى بالتخيير ومن ثم قلت إن المريض والمسافر كانا حينئذ مخيرين بين ثلاثة أمور - ثم لما نزل
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً
« 1 » الآية نسخ حكم الفدية في حق الذين كانوا يطيقونه حالا وفي حق الذين يطيقونه مالا وهم المرضى والمسافرين الذين يرجون القضاء بعد الشفاء وصار أداء الصوم أو قضاؤه حتما في حقهم وبقي حكم من لا يطيقونه لا في الحال ولا في المال على ما كان عليه من جواز الفدية ثابتا بدلالة النص لعدم دخولهم في قوله تعالى
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
يعنى صحيحا مقيما
فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً
يرجوا الشفاء
أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
وانما قيدنا المريض بقولنا يرجوا الشفاء بدلالة العقل - فان من لا يرجوا الشفاء تكليفه بالقضاء تكليف بما لا يطيق - ومنسوخية الحكم الثابت بعبارة النص لا يستدعى منسوخية الحكم الثابت بالدلالة واللّه اعلم
طَعامُ مِسْكِينٍ
قرا نافع وابن ذكوان فدية طعام مسكين بإضافته فدية وجمع المسكين بفتح النون - وهشام بتنوين فدية ورفع طعام على البدل وجمع مسكين والباقون بتنوين فدية ورفع طعام وتوحيد مسكين بكسر النون - والفدية الجزاء وإضافته إلى الطعام
هامش
( 1 ) في الأصل ومن كان منكم مريضا -
التفسير المظهرى — صفحة 192 | محمد ثناء الله المظهري