تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
قوله : ( ولذلك جيء بإذا ) أي ولكون المراد بالتبديل النشأة الثانية المحققة بدليل عبر بإذا والفعل الدالة على التحقق وجعل فيه تبديل الصفات « 1 » منزلة تبديل الذوات وفي
إِذا شِئْنا
[ الإنسان : 28 ] إشعار بأن وقت التبديل غير متعين في نفسه وإنما هو موكول إلى مشيئته كما سيصرح به المصنف في سورة عبس . قوله : ( أو بدلنا غيرهم ممن يطيع وإذا لتحقق القدرة وقوة الداعية ) جواب سؤال مقدر وهو أن هذا التبديل لم يقع ولم يشأ اللّه تعالى فالمناسب بالنظر إلى مقتضى الظاهر وإن شئنا كقوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
[ إبراهيم : 19 ] الآية فأشار إلى دفعه بأن كلمة إذا هنا لتحقق القدرة والقوة الداعية إلى ذلك التبديل لإصرارهم على المعاصي فكلمة إذا بالنسبة إلى تحققها دون التبديل فهي الموافقة لمقتضى الحال فاختبرت على أن لأنها مقتضى البلاغة وإما مثل قوله تعالى :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
[ إبراهيم : 19 ] فبالنظر إلى نفس التبديل فإن هناك مقتضى الحال فعلم من كلام الشيخين أن إذا قد يكون لتحقيق ما فهم من الكلام لا لنفس الكلام فاحفظ هذا فإن هذه القاعدة لم تذكر في كتب البلاغة لكن اخره لأن فيه نوع تكلف وتعقيد ولو قيل كلمة إذا ح بمعنى إن لم يبعد . قوله تعالى :

[ سورة الإنسان ( 76 ) : آية 29 ]

إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 29 ) قوله : ( الإشارة إلى السورة ) وهذا هو الظاهر معنى لأنها كله تذكرة غير مختص ببعض دون بعض . قوله : ولذلك جيء بإذا فإن إذا موضوعة لما هو المحقق وقوعه والنشأة الثانية من الأمور المحقق وقوعها . قوله : وإذا لتحقق القدرة وقوة الداعية يعني الظاهر على هذا الوجه أن يقع كلمة إن لا كلمة إذا لأن تبديل العاصين بالمطيعين في الدنيا مشكوك فحقه أن يجاء بأن ليفرض كما يفرض ما لا تحقق له وأما التبديل بالمعنى السابق وهو تبديل أمثالهم في شدة الأسر في النشأة الأخرى فمتحقق لا بد منه فحقه أن يجاء بأن لكن جيء إذا على الوجه الثاني نظرا إلى تحقق القدرة وقوة الداعية والتبديل على الوجه الأول التغيير في الصفات ولذلك قال في شدة الأسر لأن الذات المحشورة هي هذه الذات وعلى الوجه الثاني بمعنى التغيير في الذات ولذلك بين قوله غيرهم بقوله ممن يطيع والوجه الأول أوفق للمقام لأن الآية واردة عقيب قوله :
إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
[ الإنسان : 27 ] أنكر عليهم ركونهم إلى هذه العاجلة التي لا طائل تحتها بحيث بلغ إلى المحبة الذاتية وذهولهم عما هو مصيرهم إليه من الأمر المهول بحيث بلغ إلى أن جعلوه كالشئ المتروك المنسي ثم قال نحن خلقناهم وشددنا توصيل أعضائهم ليشتغلوا بعبادتنا عن الالتفات إلى الغير ويشكروا تلك النعمة ولا بد أن نفكك هذا التركيب ونحل هذا التوثيق ثم نعيده كما هو الآن في شدة الأسر وحقق ذلك بقوله :
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
[ الإنسان : 29 ] .
هامش
( 1 ) كما قيل في قوله تعالى :بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ[ النساء : 56 ] .