تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
قوله تعالى :

[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 37 ]

لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ( 37 ) قوله : ( بدل من للبشر ) وفي هذا إشارة إلى أن مجموع الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور وقيل البدل مجرور بإعادة الجار . قوله : ( أي نذيرا للمتمكنين من السبق إلى الخير والتخلف عنه ) أوله إذ الإنذار لمن سبق إلى الخير بالفعل غير مناسب والمراد التمكن والمشارفة كما قال في تفسير قوله تعالى :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 2 ] أي المشارفين بالتقوى ولو أريد الإنذار على المعاصي سوى الكفر لم يبعد . قوله : ( أو لمن شاء خبر لأن يتقدم فيكون في معنى قوله :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ الكهف : 29 ] ) لكن اللام في
لِمَنْ شاءَ
[ المدثر : 37 ] يأبى عنه في الجملة ولذا آخره وإنما كان في معنى قوله الخ لأن هذا خبر وذاك أمر للتهديد لكن المراد بهذا القول إنشاء التهديد به لا إفادة الحكم فيكون مآلهما واحدا في كون المراد بهما تهديدا . قوله تعالى :

[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 38 ]

كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ( 38 ) قوله : ( مرهونة عند اللّه مصدر كالشتيمة ) مرهونة عند اللّه يكسبها على أن ما مصدرية فإن عمل صالحا فكها وإلا هلكها مصدر أي رهينة مصدر كالشتيمة بمعنى الشتم أطلقت للمفعول مجازا للمبالغة . قوله : ( أطلقت للمفعول كالرهن ولو كانت صفة لقيل رهين ) كالرهن فإنه مصدر أطلق للمرهون مجازا مشهورا ملحقا بالحقيقة ولو كانت صفة لقيل رهين كما قيل في سورة الطور
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
[ الطور : 21 ] لأنه حينئذ يكون فعيلا بمعنى مفعول ولا يلحقه التاء لأنه يستوي فيه المذكر والمؤنث والقول بأنه يجوز أن يكون من النوادر نظيره إذا كان بمعنى الفاعل في قوله تعالى :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
قوله : بدل من للبشر وهو على إعادة العامل كقوله تعالى :
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ
[ الأعراف : 75 ] فعلى هذا يكون أن يتقدم أو يتأخر مفعول شاء قال الطيبي رحمه اللّه فإن قلت مفعول شاء وأراد يحذف في الكلام الفصيح اللهم إلا أن يكون فيه غرابة فأي غرابة فيه حتى ذكر في هذا الوجه دون الوجه الثاني قلت إن التقدير واللّه إنها لإحدى الكبر نذير للمكلفين المختارين المتمكنين من فعل الطاعة والمعصية فكنى عن ذلك بقوله :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ
[ المدثر : 37 ] وقوله :
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ
[ المدثر : 38 ] أحسن انتظاما بهذا الوجه لما في الوجه الثاني من شائبة تهديد ووعيد وتنظيره بقوله :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
[ الكهف : 29 ] شاهد عليه . قوله : ولو كانت صفة لقيل رهين لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث فهو مصدر بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم .