قوله : ( والمعنى لا تبقي على شيء يلقى فيها ولا تدعه حتى تهلكه ) لا تبقي على شيء أي لا تترحم على شيء الخ بل تعذبه فالإسناد مجازي قوله ولا تدعه حتى تستريح بصرف العذاب عنه بل تبالغ في تعذيبه حتى تهلكه فإذا أهلكته أعيد جلودا غيرها وهكذا إلى غير النهاية ومعنى الإهلاك إحراق جلودهم كما في قوله تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها
[ النساء : 56 ] .
قوله تعالى :
[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 29 ]
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ( 29 )
قوله : ( مسودة لأعالي الجلد ) أي لواحة بمعنى مسودة اسم فاعل من التفعيل قوله أعالي الجلد معنى البشر لأنه جمع بشرة وهي ظاهر جلد الإنسان وقد يطابق ويراد به الإنسان لكن المراد هنا ظاهر جلد الإنسان وجمع الأعالي لأن البشر جمع كما عرفت قيل تلفح الجلد لفحة فتدعه أشد سوادا من الليل وهذا أول الحال وما سبق من أنها
لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ
[ المدثر : 28 ] ثاني الحال فلا منافاة والواو لا تقتضي الترتيب .
قوله : ( أو لائحة للناس ) على أن لواحة اسم فاعل من لاح يلوح إذا ظهر وإن البشر بمعنى الناس كما عرفته كقوله تعالى :
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
[ التكاثر : 6 ، 7 ] وفي هذا الوقت رأتهم أيضا وعن هذا قال تعالى :
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
[ الفرقان : 12 ] وفي المعنى الأول هي من لوحت الشمس إذا اسودت وتغيرت وصيغة المبالغة لإفادة المبالغة في التسويد وفي الظهور اخر هذا الاحتمال لأنه لا يلائم ما قبله فإنه مسوق لبيان كيفية عذاب السقر والظهور قبل التعذيب قيل تلوح لهم من مسيرة خمسمائة عام والأولى عدم التعيين لعدم تعلق الغرض به والمعنى تلوح لهم أقصى ما يمكن الظهور .
قوله : ( وقرئت بالنصب على الاختصاص ) فيكون منصوبا بأخص أو أعني كما في نظائره ولم يتعرض لكونه حالا مؤكدة من ضمير تبقي أو تذر أو من سقر لأن فيه تكلفا إذ هي ليس مقارنة لعاملها في الأولين ولاحتياجها إلى التأويل في الثالث مثل كون لا تبقي حالا من سقر كما مر .
قوله تعالى :
[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 30 ]
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ( 30 )
قوله : ( ملكا أو صنفا من الملائكة ) ملكا فالمعدود إفراد وهو الظاهر المتبادر ولذا قدمه ورجحه أو صنفا من الملائكة فالمعدود صنف ولا يعلم عدد كل صنف إلا اللّه تعالى قوله : والمعنى لا تبقي على شيء يلقى فيها ولا تدعه حتى تهلكه وفي الكشاف لا تبقي شيئا يلقى فيها أهلكته وإذا هلك لم تذره هالكا حتى يعاد أو لا يبقى على شيء ولا تدعه من الهلاك بل كل ما يلقى فيها هلك لا محالة تم كلامه ومعنى لا تبقى على شيء لا ترحمه فإن أبقى إذا عدي بعلى يكون بمعنى الترحم والرعاية والاسم منه البقيا .