مجنون فهل رأيتموه يخنق ) فقعد أبو جهل إليه إلى جنب الوليد وتعديته بإلى لكون القعود منتهيا إليه قوله بما أحماه أي أغضبه كناية لأن الغضب لكونه عبارة عن ثوران الدم والحرارة الغريزية يستلزم الإحماء أي جعله حميما ذا حرارة فقام أي عقيب ذلك من مجلسه لأجل النداء فإنه في حال القيام أعم شمولا وأدخل قبولا فنادى قريشا لإفادة أنه على دينه ولا رغبة في دخول الإسلام فقال تدريجا إلى أن قال : ما هو إلا ساحر قوله يخنق بصيغة المجهول أي يصرع من الجنون ومن تخبطه الجن والشيطان فإنهم يزعمون أن الجن يخنق المجنون .
قوله : ( وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعرا فقالوا لا ) يتكهن من التفعل أي يتكلف في أفعال الكهنة فقالوا لا ناظر إلى الأمور الثلاثة أي ما رأينا أنه يخنق فقولكم هذا المذكور في شأنه باطل .
قوله : ( فقال : ما هو إلا ساحر ) أي قولكم في حقه إنه ساحر مطابق للواقع وبين صدقه في زعمه .
قوله : ( أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ففرحوا بقوله : وتفرقوا متعجبين منه ) أما رأيتموه يفرق والاستفهام للإنكار أي قد رأيتموه وهل هذا إلا بالسحر كما هو المعروف بين الأنام من أن السحر يفرق به بين المرء وزوجه وغيره وهذا دسيسه أخفى من دبيب النمل فإنه عليه السّلام لما دعاهم إلى الإيمان آمنوا به فبسبب إيمانهم وقع الفرقة بين الرجل وأهله وأولاده واتباعه فأوهم ذلك الضال قومهم بأنه بسبب سحره وإذا كان ساحرا يكون ما ألقى إلينا سحرا ولذا قلت إن أعلاه لمثمر الخ وهذا مراده ولذلك فرحوا فتفرقوا متعجبين وإلا لكان بين كلاميه تنافر فلا يكون باعثا لفرحهم إلا بملاحظة ذلك فإن شأن السحر التعجب منه ولذا قلت إن أعلاه لمثمر تعجبا منه لا لاعتقاد أنه حق نازل من اللّه ففرحوا قاتلهم اللّه أنى يصرفون .
قوله تعالى :
[ سورة المدثر ( 74 ) : آية 20 ]
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ( 20 )
قوله : ( تكرير للمبالغة ) في التعجيب منه إما استهزاء أو حقيقة .
قوله : ( وثم للدلالة على أن الثاني أبلغ من الأولى وفيما بعد على أصلها ) للدلالة على الثاني لأنها للتراخي الزماني في الأصل فاستعير هنا للتراخي الرتبي فتفيد الأبلغية إذ بانضمامه إلى الأول يكون متزايدا في التعجيب وهذا أولى مما قيل فكأنه قيل قتل بنوع ما في القتل لا بل قتل بأشده وأبلغه ولذا ساغ العطف فيه مع أنه تأكيد انتهى . وعطف التأكيد جائز عند النحاة وإن لم يجوزه أرباب المعاني والقائل أشار إلى أنه مغاير له في الجملة باعتبار قيد فيه وكونه تأكيدا باعتبار أصل المعاني وقد نبه عليه قسطلاني في شرح البخاري .
قوله : فهل رأيتموه يخنق وكان اعتقادهم أن الجن يخنق المجنون ويتخبطه وفي المغرب الخنق بكسر النون مصدر خنقه إذا عصر حلقه .