وضده لظهوره أن النداء لم يكن منهما وفيه إشارة إلى أن النداء على وجه لم يعرف محل مناديه ومن أي جهة ناداه بل الظاهر أنه عليه السّلام سمع النداء من جميع الجهات على خلاف العادات فإذا هو أي المنادي على العرش أي السرير بين السماء والأرض أي هو معلق بينهما قريب من الأرض كما هو المتبادر أو بعيد منها وهو الأنسب بالمقام فرعبت « 1 » لأنه حالة غريبة مخالف للعادة فقلت دثروني الخطاب للجماعة وخديجة رضي اللّه عنها منهم والتذكير للتغليب أو الخطاب لها رضي اللّه عنها للتعظيم والتذكير للتنبيه على كمال عقلها .
قوله : ( فنزل جبريل فقال :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
[ المدثر : 1 ] ) فقال حكاية عن اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
[ المدثر : 1 ] وإنما ناداه به إذ العرب إذا قصدت الملاطفة بترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها مثل قوله عليه السّلام لعلي رضي اللّه تعالى عنه حين غاضب فاطمة رضي اللّه تعالى عنها وقد نام ولصق بجنبه التراب « قم يا أبا تراب » ملاطفة له وإشعارا بأنه غير مناسب كما مر في أوائل سورة المزمل .
قوله : ( ولذلك قيل هي أول سورة نزلت ) ولذلك أي لما ذكر من الرواية وقيل هي أول صورة فإن تلك الرواية تدل على أنه لم يعرف الوحي وجبريل قبله وأنت خبير بأنه لو تم لدل على أن سورة المزمل أول سورة نزلت على بعض الوجوه قيل مرضه لأنه لا دلالة فيه على أنه أول وحي لأن ارتعاده لرؤيته له على صورة مهيبة له لم يرها قبل قال المصنف في سورة النجم قيل ما رآه أحد من الأنبياء عليهم السّلام في صورته غير محمد عليه السّلام مرتين مرة في السماء ومرة في الأرض انتهى . فلا يتم ما ذكره القائل المذكور إلا أن هذه الرؤية رؤيته في الأرض فلا تغفل مع أنه معارض لما قيل إن أول ما نزل
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ
[ العلق : 1 ] إلى
ما لَمْ يَعْلَمْ
[ العلق : 5 ] والجواب في التوفيق إن أول سورة بتمامها هذه السورة وتلك أول آيات ضعيف أما أولا فلأن أول سورة نزلت بتمامها سورة الفاتحة كما مر وأما ثانيا فلأن قوله :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
[ المدثر : 11 ] نزل في شأن الوليد كما اتفقوا على ذلك وهذه الرواية تدل على أنها نزلت بعد الدعوة والتحدي والقول بأنه من باب بيان الحكم قبل وقوعه خلاف الظاهر وأما ثالثا فلأن الاحتمالات المذكورة تنافي الدلالة على ذلك .
قوله : ( وقيل تأذى من قريش فتغطى بثوبه مفكرا ) سواء كان دثارا أو لا مفكرا وهذا من عادة من يريد جمع خاطره لئلا يتفرق فكره وهذا كثير لمن يطالع الدرس ولعله عليه اللام أراد قصر نظره وفكره في جلال اللّه وجماله ومعظم نعمه وآلائه بحيث لا يحوم حوله الوحي قيل له قم قيام عزم وجد كما قال في المزمل أنه سمي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم به تهجينا لما كان عليه من أنه كان نائما متزملا في قطيفة .
هامش
( 1 ) بصيغة المجهول وهو أولى من كونه معلوما لكونه لازما أي خفت .