مانع عن ذلك بسبب إيذاء قومه فتغطى وتلفف بثوبه الشريف حتى لا يطرء شيء ما على فكره المنيف فأنزل اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ
[ المدثر : 1 ، 2 ] واشتغل بما هو أهم من الفكر المذكور وهو الإنذار وتبليغ الأحكام ولا تبال بأذية اللئام .
قوله : ( أو كان نائما متدثرا فنزلت ) أي وقيل كان نائما متدثرا .
قوله : ( وقيل المراد بالمتدثر المتدثر بالنبوة والكمالات النفسانية ) فيكون استعارة تشبيها للمعقول بالمحسوس لكن الأولى الاستعارة التمثيلية حتى لا يلزم تشبيه النبوة بالدثار وإن كان له وجه في الجملة بأن يقال شبه النبوة بالدثار في التحلي فكما أن اللباس الذي هو فوق الشعار يكون حلية لصاحبه وزينة له كذلك النبوة وسائر الكمالات النفسانية زينة فيكون المدثر استعارة تبعية أو شبه به في الظهور أما ظهور الدثار فظاهر وأما ظهور النبوة فبالمعجزات القاهرة وبالبراهين الساطعة وهذا معنى ظهور الأمور النفسانية والعلم بها فلا يقال إن الأمر النفساني لا يظهر وإنما الظاهر آثاره إذ الظهور لا يستلزم الحس بل يستلزم العلم به ألا يرى أن التصديق يظهر بأمارته وكذا الغضب والفرح والإنكار مكابرة .
قوله : ( أو المختفي ) عطف على قوله المتدثر بالنبوة فيكون المراد بالدثار جبل حراء استعارة شبه الحراء بالدثار في وجود الاختفاء به فيلزم منه تشبيه اختفائه عليه السّلام باختفاء اللابس بالدثار فأطلق المدثر وأريد به الغائب عن النظر استعارة .
قوله : ( فإنه كان بحراء كالمختفي فيه ) الأولى كالمدثر به لما عرفت أنه شبه الحراء بالدثار لأنه يواري البدن فيخفيه عن أعين الناس كذلك الحراء يواريه عليه السّلام فيخفيه كسائر الأمكنة التي تواري المتمكن فيها فذكر المدثر أي المختفي بالدثار وأريد المختفي بالحراء فشبه أحد فردي المختفي بالآخر وهذا مراد المصنف لكن عبارته قاصرة عنه وعن هذا اعترض عليه بعض المحشين « 1 » وأجاب عنه بعضهم « 2 » الآخر .
قوله : ( على سبيل الاستعارة ) في الوجهين قبله .
قوله : ( وقرىء المدثر أي الذي دثر هذا الأمر وعصب به ) المدثر بتخفيف الدال وتشديد الثاء بزنة المفعول أو الفاعل قول المصنف الذي دثر هذا الخ إشارة إلى أنه اسم المفعول هذا الأمر نصب على نزع الخافض وقيل دثر هذا الأمر هذا فيه نائب الفاعل قوله وعصب به يؤيد الأول لأنه عطف تفسير لدثر هذا الأمر وفي سورة المزمل قال في الكشاف وعن عكرمة أن المعنى يا أيها الذي زمل أمرا عظيما أي حمل والزمل الحمل وازدمله احتمله انتهى وكذا ذكر المصنف هناك أو من تزمل الزمل إذا تحمل الحمل أي الذي تحمل أعباء النبوة فعلم منه أن المراد بهذا الأمر الأمر بالوحي والنبوة كأنه قيل يا من حمل عليه أعباء النبوة وعصب أي شد وقوى به قم واترك الراحة والتزم المتاعب والمشقة بما سنلقي
هامش
( 1 ) ( سنان ) .
( 2 ) شهاب .