تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
قوله : ( ولا أن ترهقه ذلة ) وقد مر من المصنف أن الرهق في الأصل غشيان الشيء فالمراد هنا غشيان الذلة لقوله تعالى :
وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ
[ يونس : 27 ] وهذا في من لم يؤمن فالمؤمن على خلاف ذلك . قوله : ( وجزاء بخس ولا رهق ) عطف على ذلة والقرينة عليه عدم خوفه عن نقص جزاء ولم يذكر رهق ظلم كما في الكشاف لأن جزاء النقص في صورة الظلم فلا حاجة إلى ذكره صريحا . قوله : ( لأنه لم يبخس حقا ولم يرهق ظلما لأن من حق الإيمان بالقرآن أن يجتنب ذلك ) لأنه لم يبخس تعليل لمنطوق قوله وجزاء نقص ومفهومه فلا يقال إن الصواب أن يقول جزاء نقص ولا رهق ظلم حتى لا يبقى التعليل بقوله ولا رهق ظلم بلا معلل ولا حاجة إلى القول بأنه من باب الاكتفاء كسرابيل تقيكم الحر بقرينة ما بعده فإنه ضعيف « 1 » قوله لأنه لم يبخس الخ لا يلائم قولهم تعليق الحكم بالمشتق يفيد علية مأخذ الاشتقاق وبعض المحشين استدلوا على الاختصاص المذكور بالتعليق المذكور فالأولى عدم التعرض بذلك وذكره صاحب الكشاف لأن مذهبه أن الأعمال جزء من الإيمان فلا يكفي الإيمان وحده في ذلك ففيه سمة من الاعتزال فتدبر . قوله تعالى :

[ سورة الجن ( 72 ) : آية 14 ]

وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً ( 14 ) قوله : (
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ
[ الجن : 14 ] ) إعادة لقوله :
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ
[ الجن : 11 ] ولقوله :
وَمِنَّا الْقاسِطُونَ
[ الجن : 14 ] فلا تكرار كما مر . المجاز حيث سمي جزاء البخس بخسا على طريق المشاكلة على منوال وجزاء سيئة سيئة والمعنى فلا يخاف أن يبخس اللّه حقه لأنه لم يبخس حق أحد فإن عدم الخوف من المحذور يكون لانتفاء المحذور وقوله لأنه لم يبخس حقا إشارة إلى ذلك قال صاحب الكشف وجاز أن يحمل على الإضمار وأصل الكلام ومن لا يبخس حق أحد ولا يرهق ظلمهم فلا يخاف جزاءهما فوضع قوله :
وَمَنْ يُؤْمِنْ
[ الطلاق : 11 ] موضعه تنبيها بالسبب على المسبب يعني هو من باب نفي المسبب لانتفاء السبب وقد وضع موضع السبب الإيمان باللّه تعالى ليؤذن أن الإيمان هو السبب في الاجتناب عن البخس والظلم والفرق بين التفسير الأول والثاني أن القصد في نفي الخوف على الأول كان لإثبات منافيه وهو الإيمان وعلى الثاني لانتفاء سببه وهو البخس ولذا قال لأنه لم يبخس حقا وكما دل الأول على أن من حق العبد أن يؤمن بربه دل الثاني على أن من حق المؤمن أن لا ينقص حق أخيه ويعطي الكلام أيضا بفحواه أن من لم يؤمن بربه الذي أنعم عليه وأحسن إليه بالنعم الظاهرة والباطنة لا يأمن بأمن الخوف وإن من عمل عملا صالحا ولا ينفعه ما حسبه أعمالا صالحة بل يجعل ذلك هباء منثورا .
هامش
( 1 ) لأنه لو كان مثل هذا قرينة على الحذف ونحوه لا يرد الإشكال على قول أصلا .