تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
قوله : ( لأنها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض كلما يزيلها السراج عما حوله ) بيان وجه الشبه قوله عما حوله تنبيه على ما ذكرناه من أن المشبه أقوى بحيث لا مناسبة بينهما وبهذا ومثله ظهر ضعف القول بأن الشرط كون المشبه به أقوى مثل الأعرفية . قوله تعالى :

[ سورة نوح ( 71 ) : آية 17 ]

وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) قوله : ( أنشأكم منها فاستعير الانبات للإنشاء ) أي الانبات استعارة أصلية وأنبتكم استعارة تبعية إذ الانبات إحداث النبات والإنشاء إحداث الشيء فشابهه في الإحداث ويحتمل أن يكون مجازا مرسلا بذكر المقيد وإرادة المطلق قوله من الأرض بيان أن يكونوا من الأمور الضعيفة وأنه لا يكون من أهل السعادة بدون العلم والعمل . قوله : ( لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض وأصله أنبتكم إنباتا فنبتم نباتا فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية ) . قوله تعالى :

[ سورة نوح ( 71 ) : آية 18 ]

ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ( 18 ) ( مقبورين ) لأنه أدل على الحدوث لأن الانبات أمر محسوس تكرر إحساسه والتكون من الأرض لكونهم مخلوقين من الأغذية المتولدة من النبات المتولد من الأرض أو معناه أنبت إياكم من الأرض وهذا قد علم من قوله :
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
[ نوح : 14 ] لكن أريد بذكره التمهيد لذكر قوله :
ثُمَّ يُعِيدُكُمْ
[ نوح : 18 ] الآية بعد ذكر الأدلة الدالة على البعث من آيات الأنفس والآفاق وكلمة ثم لأن الإعادة في الأرض متراخ عن الانبات والإخراج بالحشر وإن تراخى عن الإعادة بمدة متطاولة لكن لا اعتداد ما بين الإعادة في الأرض والإخراج منها ولذا عطف بالواو أو لأن أحوال البرزخ والآخرة في حكم شيء قوله : فاستعير الإنبات للإنشاء لأنه أدل على الحدوث وجه الدلالة أنهم إذا كانوا نباتا كانوا محدثين لا محالة حدوث النبات . قوله : فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية فإن الإنبات يستلزم النبات فيكون انتصاب نباتا بفعل مقدر هو مصدره لا بأنبتكم لأن النبات ليس مصدره ويجوز أن يكون منتصبا به لأن أنبتكم يتضمن معنى نبتكم ونباتا أبلغ من إنباتا لما في نباتا من معنى الإشعار بأن اللّه تعالى أراد أنبأتكم فنبتم وجه الإشعار بهذا المعنى هو إفادته إنكم نبتم بمجرد إرادة اللّه الإنبات مع قطع النظر عن فعل الإنبات ومعنى أبلغيته منه دلالته على تمشي كمال قدرة اللّه تعالى وسرعة نفاذ إرادته وحكمه في الأشياء حتى كان إنبات اللّه تعالى نفس أبلغيات فقرن أحدهما بالآخر ونظيره قوله تعالى :
أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً
[ الأعراف : 160 ] من حيث إن الانبجاس جعل مسببا عن الإيحاء بضرب الحجر للدلالة على أن الموحي إليه وهو أن موسى عليه السّلام لم يتوقف على اتباع الأمر وامتثاله وفيه نكتة أن الانبجاس وقع عقيب الوحي بأمر الضرب بلا مهلة من غير توقف على وجود الضرب من المأمور فكأنه حصل عقيب الإيحاء دفعة قبل امتثال المأمور بالمأمور به وهذا أبلغ من أن يقال فضرب فانبجست لكونه أدل على القدرة القاهرة والإرادة النافذة .