فتخافوا عصيانه الظاهر أنه حمل الرجاء على الخوف لكن قوله عبر عن الاعتقاد بالرجاء الخ يأبى عنه فالرجاء أيضا بمعنى الأمل لكن المراد الاعتقاد كما ذكره فقوله فتخافوا عصيانه لازم معناه وجواب النفي أي ما لكم في انتفاء الاعتقاد بالعظمة وانتفاء الخوف من عصيانه فالنفي متوجه إليهما جميعا أي ما يكون منكم اعتقاد العظمة ولا الخوف من العصيان وما يترتب عليه من العذاب في النيران .
قوله : ( وإنما عبر عن الاعتقاد بالرجاء التابع لأدنى الظن ) التابع صفة الرجاء لأدنى الظن وهو الوهم أو الشك فإن رجاء الشيء وأمله إنما يكون بعد حصول أدنى الظن بوقوع الشيء المرجو فإنه ما لم يتعلق به أدنى الشيء لا يكون وقوعه ووجوده مرجوا فإذا تعلق به الظن الغالب يكون وجوده مظنونا وإذا تعلق به العلم اليقيني يكون وقوعه مجزوما .
قوله : ( مبالغة ) في نفي الاعتقاد لأن انتفاء الرجاء مستلزم لانتفاء الظن فإذا انتفى الظن يكون انتفاء الاعتقاد بالعظمة بطريق الأولوية وفيه بحث إذ اعتقاد الشيء اعتقادا جازما ما لم يوجد الظن حينئذ فانتفى الأدنى ولم ينتف الأعلى فلا تغفل وبهذا ظهر ضعف الوجه الثاني .
قوله تعالى :
[ سورة نوح ( 71 ) : آية 14 ]
وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً ( 14 )
قوله : ( حال مقررة للإنكار من حيث إنها موجبة للرجاء بأن خلقهم أطوارا أي تارات ) حال من فاعل لا ترجون بتأويل مقارنين بخلقكم أطوارا وهذه الحالة تقتضي الرجاء فيفيد إنكار عدم الرجاء وإنكار سببه وهو الظاهر إذ الحال بيان سبب الرجاء قوله من حيث إنها موجبة الخ إشارة إلى ما ذكرناه وإلى أن هذه علة موجبة فيكون مبالغة في الانكار قوله بأن خلقهم الباء متعلق بموجبة وهذه نعمة جسيمة فالمنعم الحقيقي جدير بالرجاء المذكور بالإيمان والعبادة وحاصل الحال كيف تكفرون باللّه ولم تؤمنوا به راجين تعظيم اللّه تعالى إياكم وقد خلقكم أطوارا والخلق وحده يوجب الرجاء المذكور فضلا عن الخلق تارات أي حالات فالمراد بالتارات الحالات والحالات تستلزم المرات ولذا فسر المحشي بالمرات .
قوله : ( إذ خلقهم أولا عناصر ثم مركبات تغذي الإنسان ثم أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما ثم أنشأهم خلقا آخر ) إذ خلقهم أي إذ بدأ خلقهم بأن خلقهم من عناصر ويؤيده قوله تعالى :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ
[ السجدة : 7 ] أي آدم عليه قوله : وإنما عبر عن الاعتقاد بالرجاء التابع لأدنى الظن مبالغة وجه المبالغة هو إفادته إن أدنى الظن في عظمة اللّه تعالى يكفي زاجرا عن عصيانه فضلا عن أعلاه .
قوله : حال مقررة للإنكار أي حال مقررة لإنكار عدم الرجاء المستفاد من كلمة الاستفهام في
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ
[ نوح : 13 ] فإن ذلك الإنكار دل على إيجاب الرجاء لأن إنكار عدم الرجاء إيجاب للرجاء وهذه الحال تقرر ذلك من حيث إنها موجبة للرجاء لأن خلقهم أطوارا يقتضي ذلك .