قوله تعالى :
[ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 11 إلى 12 ]
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ( 11 ) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً ( 12 )
قوله : ( قوله ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء ) ولذلك أي ولكون الاستغفار بالتوبة عن الكفر بل بتربية النفس بالطاعة سببا لفتح باب أنواع الخيرات شرع الاستغفار بالمعنى المذكور في الاستسقاء حين استيلاء القحط والبلاء .
قوله : ( والسماء يحتمل المظلة والسحاب والمدرار كثير الدرور يستوي في هذا البناء المذكر والمؤنث والمراد بالجنات البساتين ) والسماء يحتمل المظلة أي الفلك والسحاب والأول معنى عرفي له والثاني لغوي لأن السماء في اللغة كل ما علاك والسحاب من جملته والسقف يطلق عليه السماء وأيضا نزول المطر من السماء الدنيا إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض وإرسال السماء إما مجاز عقلي أو بتقدير المضاف أي يرسل ماء السماء ولم يذكره لظهوره ولدلالة مدرارا عليه كما قال المدرار كثير الدرور أي الانصباب والسيلان والمدرار مفعال من الدرر وهو للمبالغة يستوي في هذا الخ وكذا سائر صيغ المبالغة كلها كما نقل عن سيبويه وما خالفه فهو على خلاف القياس وأشار به إلى أن السماء مؤنثة حتى قيل إنها جمع سماة فيحتاج إلى توجيه مدرارا ونبه به أيضا إلى أن السماء لو قيل إنه مذكر كان المدرار مطابقا له أيضا للاستواء المذكور والمراد بالجنات البساتين لا دار الثواب بقرينة ما قبله واخر البنون لأن بقاء الأموال بالبنين كما أن بقاء الجنات بالماء كذا قيل أواخر البنون لأن كمال التنعم بالبنين إنما هو بالأموال أو حفظ الصحة والبقاء بالأموال وكذا الكلام في الجنات لأنها من أفراد الأموال والتنعم بها بالذات وإن كان الماء سببا لبقائها والمراد بالأنهار مياه الأنهار إما بتقدير المضاف أو المجاز المرسل بذكر المحل وإرادة الحال .
قوله تعالى :
[ سورة نوح ( 71 ) : آية 13 ]
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 13 )
قوله : ( لا تأملون له « 1 » توقيرا أي تعظيما لمن عبده وأطاعه فتكونون على حال تأملون فيها تعظيمه إياكم ما مبتدأ خبره لكم وللّه بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة للوقار ) لا تأملون له توقيرا أشار أولا إلى أن الرجاء بمعنى الأمل لأنه الأصل المتبادر الشائع مع أنه المناسب قوله : فتكونوا على حال تأملون فيها تعظيمه إياكم يعني حثهم اللّه تعالى على أن يرجوا توقير اللّه إياهم في الآخرة بأن يدخلهم دار الكرامة ويثيبهم فيها والمراد الحث على الإيمان والطاعة الموجبين لرجاء ثواب اللّه فهو من باب الكناية لأن من آمن به وعبد وعمل صالحا ومن آمن وعمل الصالحات رجاء ثواب اللّه وتعظيمه إياه في دار الثواب فهو من باب مقدمة الواجب لأن الحث على تحصيل الرجاء مسبوق بالحث على تحصيل الإيمان فالمعنى ما لكم لا تؤمنون وتعملون الصالحات لتكونوا على رجاء أن يعظمكم اللّه بأن يجازيكم أحسن الجزاء أي ما لكم لا تفعلون ما
هامش
( 1 ) الظاهر أنه مجاز له كما أنه مجاز في العظمة إذ التوقير إحداث الوقار أي العظمة كما سيأتي .