قوله : ( وتقديم الصلة للتخصيص ) تأويله توكلنا مقصور على الاتصاف بكونه على اللّه تعالى لا يتجاوزه إلى غيره فهو من قصر الموصوف على الصفة وذكره عقيب آمنا به للتنبيه على أن كمال الإيمان بالتوكل عليه تعالى .
قوله : ( والإشعار به ) أي بأن غيره لا يضر ولا ينفع وفي الإشعار إشعار بأنكم أيها الكفرة الفجرة لا تقدرون على الإضرار بنا بالذات إلا أن يشاء اللّه ربنا وسع كل شيء علما .
قوله : (
فَسَتَعْلَمُونَ
[ الملك : 29 ] ) أي في يوم القيامة الفاء للتفريع أي إذا كنا آمنا به وبما جاء من عنده تعالى وكنتم مصرين على الكفر فستعلمون حين أخذتكم العذاب وكشف عنكم الحجاب وقد مر مرارا أن مثل هذا الكلام من كلام المصنف المسكت للخصم المشاغب .
قوله : ( منكم ومنا وقرأ الكسائي بالياء ) على الظاهر وأما القراءة بالتاء فلا التفات .
قوله تعالى :
[ سورة الملك ( 67 ) : آية 30 ]
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ( 30 )
قوله : ( غائرا في الأرض بحيث لا تناله الدلاء مصدر وصف به ) أي غورا مصدر بمعنى اسم الفاعل وتقدير ذا غور صحيح لكن هذا التأويل لا يلائم قوله مصدر وصف به إلا أن يقال إن مراده لو لم يقصد المبالغة لكان حق الكلام غائرا الدلاء جمع دلو أشار به إلى أن المراد ليس العدم بالكلية ولا الغور اليسير بل الغور بحيث لا يناله الدلاء فاعل على الإسناد المجازي وفي نسخة لا ينال بالدلاء وهو الظاهر أي لا ينال بالدلاء وإن أطالوا قوله : للتخصيص والإشعار به أي وللإشعار بأن غيره لا يضر ولا ينفع كأنه قيل وعليه توكلنا دون غيره لأن غيره لا يقدر على النفع والضر وفي الكشاف أخر المتعلق في آمنا وقدم في توكلنا لوقوع آمنا تعريضا بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم كأنه قيل آمنا ولم نكفر كما كفرتم ثم قال :
وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا
[ الملك : 29 ] خصوصا لم نتكل على ما أنتم متكلون عليه من رجالكم وأموالكم يعني كان من حق الظاهر أن يقال : فمن يجيركم لأن الشرط
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ
[ الملك : 28 ] فعدل إلى المظهر إشعارا بأن الكفر هو سبب الهلاك فإن الإيمان هو الوسيلة في النجاة ثم جيء بقوله :
قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ
[ الملك : 29 ] جوابا لقوله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ
[ الملك : 28 ] على سبيل التبكيت أي هو الرحمن يجيرنا لأنا آمنا به ولم نكفر كما كفرتم ولما لم يكن المقصود في الإيراد نفي الشرك وإثبات التوحيد لأن الكلام في الإهلاك والإنجاء جيء بقوله :
آمَنَّا بِهِ
[ الملك : 29 ] وأما تركيب به آمنا فإنما يجاء في مقام إثبات التوحيد ونفي الشرك وأما في قوله :
وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا
[ الملك : 29 ] فالتقديم واجب لأن مقام الخلاص والنجاة يقتضي حصر المتوكل عليه في المنجي الحق وهم كانوا متوكلين على الرجال والأموال فعلى المؤمنين أن يقولوا نحن لا نتوكل على ما أنتم متكلون عليه بل على الرحمن توكلنا خصوصا تمت السورة ومعاني القرآن لا غاية لها أحمد اللّه مفتتحا ومختتما وباللّه افتح وباستعانته اشرع في حل ما في تفسير سورة نون .