آمنوا قد خرجوا من الظلمات بالإيمان فكيف تكون التلاوة عليهم لإخراجهم منها فبالنظر إلى إنزال القرآن فهم يؤمنون لا أنهم آمنوا وفيه نظر إذ المراد بإنزال الذكر أي القرآن إنزاله جميعه بحيث لا يشذ منه آية ما وصيغة المضي وإن كان بعضه مترقبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد أو تنزيلا للمنتظر بمنزلة الواقع كما قاله المصنف في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ
[ البقرة : 4 ] الآية فهذه الآية داخلة في ذكر أفلا يحسم ما ذكره مادة الإشكال إلا بتمحل أن يقال إن هذه الآية وإن دخلت في الذكر مجازا لكن دخولها على وجه المجاز فلا تكون داخلة في الحقيقة .
قوله : ( أو ليخرج من علم أو قدر أنه مؤمن من الضلالة إلى الهدى ) أو ليخرج من علم أو قدر فصيغة المضي بالنظر إلى علمه تعالى وتقديره فالعلم تعلقه ماض أزلي وكذا التقدير وإن كان تحقق المعلوم والمقدر في المستقبل فلا تغفل ولو قيل المراد من الظلمات ظلمات الجهل واتباع الهوى وقبول الوساوس الغير المؤدية إلى الكفر لسلم من الإشكال بالمرة وجمع الظلمات لأن المراد بها الأسباب التي تؤدي إلى الكفر وهي ظلمة الجهل والهوى وقبول الوساوس وأفرد النور لأن المراد به الهدى والظلمة والنور مستعاران للضلالة والهدى قيل ووقع في بعض النسخ والمراد بالذين ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو سهو من قلم الناسخ أي قوله بعد إنزاله مدار جواب الإشكال المذكور كما عرفته وإذا لم يوجد هذا القيد فدفع الإشكال مشكل إلا بتمحل مذكور وهو كون المعنى ليخرج من علم وقدر أنه مؤمن الخ ( وقرأ نافع وابن عامر ندخله بالنون ) .
قوله : ( فيه تعجيب وتعظيم لما رزقوا من الثواب ) أي قوله :
قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ
[ الطلاق : 11 ] لفظه خبر ومعناه إنشاء التعجيب أي تعجبوا من حسن هذا الرزق الغير المعهود ولا يخطر ببال أحد وهذا تعظيم له وإظهار فخامته ولو لم يحمل على ذلك لم يظهر فائدة إخباره إذ المراد ما ذكر هنا وتنكير رزقا للنوع أي نوع من الرزق لا يعرف كنهه وهذا يستلزم التعظيم .
قوله تعالى :
[ سورة الطلاق ( 65 ) : آية 12 ]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ( 12 )
قوله : ( مبتدأ وخبر ) أي اللّه مبتدأ خبره الذي خلق الآية وهذا على ظاهره إن لم يعرف ذلك قبل هذا وإلا فالمراد لازمه وهو اظهار قدرته الكاملة وعظمته أو ترغيب في الشكر أو تمهيد لقوله :
وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
[ الطلاق : 12 ] .
قوله : أو ليخرج من علم أو قدر أنه يؤمن فعلى الأول لفظ الإيمان في
آمَنُوا
[ الطلاق : 10 ] حقيقة وعلى الثاني مجاز تسمية للمشارف على الشيء باسم ذلك الشيء والمعنى الذين شارفوا إلى الإيمان نحو على
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 2 ] على أحد وجهيه .