الوجدان لأن ذلك قد وقع فلو أريد ظاهره لزم الإخبار بخلاف الواقع نظيره قوله :
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ
[ الأحزاب : 36 ] الخ أي وما صح ذلك ونظيره كثير ولو أريد الإيمان الكامل لكان النفي باقيا على حقيقته لكن العموم هو الظاهر .
قوله : ( والمراد أنه لا ينبغي أن يوادوهم ) أي المراد بأنه لا ينبغي أن تجدهم أنه لا ينبغي لقوم أن يوادوهم كناية لأنه لا معنى لنفي لياقة الوجدان مع وجود الموادة المذكورة فيراد به لازمه كناية لكونها أبلغ قوله وأدين إشارة إلى أنه حال مأول بالمفرد « 1 » قوله أعداء اللّه معين من حاد اللّه وقد مر وجهه في أوائل السورة وجمع الأعداء لأن من حاد جمع معنى وإن كان مفردا لفظا .
قوله : ( ولو كان المحادون أقرب الناس إليهم ) أي المراد بما ذكر أقرب الناس إليهم مطلقا فيتناول الأمهات والزوجات والأعمام والعمات وغيرها وجه تخصيص هؤلاء بالذكر لأن الأب واجب الإطاعة ولذا قدم على الأبناء والابن أشد محبة بهم والإخوان ناصروهم والعشيرة يفتخرون بهم ويستعان بهم في فتنة عظيمة وللتنبيه على ذلك اختير الإطناب ولم يجئ ولو كان أولي قربى لكون المقام يقتضي بسطا في الكلام ولذا اختير الإطناب أولا ولم يقل لا تجد المؤمنين يوادون الخ .
قوله : ( أي الذين لم يوادوهم ) ولم يقل أي الذين لم ينبغ أن يوادوهم كما قال أولا لأن ما بعده لم يترتب على ذلك بل ما يترتب عليه عدم المودة بالفعل .
قوله : ( أثبته فيها وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان ) أثبته لازم معنى كتب إذ لا وجه لكتب الإيمان في القلوب حقيقة لكن التعبير به يفيد قوة الإثبات .
وإليه أشار بقوله حقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في النهي عنه وقيل يجوز أن يكون هذا من باب الكناية من حيث إنه نفى الوجدان لانتفاء الموجودين كما نفى العلم في قوله تعالى :
قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ
[ يونس : 18 ] لانتفاء المعلوم لأن الخطاب عام كأنه قيل أيها المخاطب إذا استقصيت في الدنيا قوما بعد قوم لا تجد قوما يجمع بين الإيمان باللّه وبين موادة أعدائه أقول فيه شيء لأن المراد من الموادة المخالطة والمعاشرة معهم ومن المعلوم أن من المؤمنين قوما يخالطون المشركين ويعاشرونهم فالوجه أن يرجع في معنى الآية إلى ما قاله صاحب الكشاف .
قوله : وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإيمان قال الطيبي رحمه اللّه وقد نقلنا في شرح السنة أن مذهب الصالح السلف أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فمعنى الآية أن يقال إن ذكر القلب وثبوت الإيمان فيه ههنا كذكره وثبوت الإثم فيه في قوله تعالى :
فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ
[ البقرة : 283 ] لأنه رئيس الأعضاء وحصول الإيمان فيه كحصوله في سائر الجسد لأنه المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ولا ارتياب أن رسوخ الإيمان في القلب إنما يكون بأداء الجوارح الأعمال الصالحة ومواظبتها عليها ألا يرى كيف أتى باسم الإشارة
هامش
( 1 ) وأنه إشارة إلى أن المفاعلة بمعنى الثلاثي لكن الظاهر أنه في بابه لأن المودة من الطرفين .